[من لا يهتم لك.. لا تحرص على الذهاب إليه]

[من لا يهتم لك.. لا تحرص على الذهاب إليه]
في زمنٍ يتسارع فيه الوجود المادي، ويكاد الوعي البشري ينسحق تحت وطأة المظاهر الظاهرة، نجد أنفسنا أمام مأساة أخلاقية صامتة تتسلل إلى عمق النسيج المجتمعي.
مأساة لا تُحدث ضجيجاً كالحروب، لكنها تنكث أواصر البشر من الداخل، وتستأصل روح التعاطف التي بها يحيى الإنسان.
إنها أزمة “غياب التقدير”، وتحول العلاقات الإنسانية من مساحات سكن وأمان إلى معادلات حسابية جافة تُدار بالمنفعة والمظهر.
لقد جُبلت المجتمعات البشرية في أصل تشكلها الفلسفي والروحي على روابط التضامن والقبول غير المشروط؛ فلم تكن المجتمعات السليمة تُبنى إلا على أدبيات الامتنان والتقدير لكل فعلٍ جماد أو إنساني يضيف للحياة قيمة.
لكننا اليوم نعيش مرحلة انتشر وشاع واستفحل فيها ورمٌ سلوكي خبيث، يتمثل في تصنيف الناس وفق معايير دنيوية واهية؛ بالرتبة الوظيفية، أو بالحساب البنكي، أو بنفوذ الجاه الزائل.
إن مجتمعاً يجعل من المنصب أو المال مسطرةً فريدة للكرامة والاهتمام هو مجتمع يعاني من خلل بنيوي، ويحمل في أحشائه بذور تفككه المحتوم.
هذا التصنيف الهش يقتل ببطء استمرار العلاقات الأصيلة، ويزرع بدلاً منها علاقات منفعية مؤقتة تزول بزوال العَرَض المادي.
وفي جوهر الرسائل الأخلاقية والفلسفية، أُسست العلاقات على صخرة الحق والتقوى والعدل لا على فارق المظاهر؛ فالتمييز بين البشر على أساس غير جوهرهم الأخلاقي والروحي هو انحراف صريح عن الفطرة التي قامت عليها الإنسانية.
وقد استوقف هذا الانحراف الفكري الفلاسفة عبر التاريخ الألماني شوبنهاور إلى هذه السطحية بقوله: “إن أغلب الناس يخلطون بين قيمة المرء الذاتية وبين النظرة التي يراه بها الآخرون، فيعيشون عبيداً لتقييمات مادية زائفة”.
أما الفارابي شرط بقاء المجتمعات الإنسانية وتماسكها مؤكداً: “إن الفضيلة والتراحم والتقدير المتبادل هي العماد الأول الذي يُقيم المدينة الفاضلة، ومتى ما حلت المعايير المنفعية الجافة محل الود والتقدير، تحولت الجمعية الإنسانية إلى مجتمع من المتصارعين”.
وحين يتحول الفضاء الاجتماعي إلى ساحة يتجاهل فيها البعض وجودك، أو يقللون من قدرك لمجرد أنك لا تحمل أدوات نفوذهم المادية، يصبح الاستمرار في ملاحقتهم ضرباً من اغتيال الذات وإهدار الكرامة.
من هنا، وفي “نبذة”، اختصرت هذا المعنى بعبارة صيغت لتكون دواءً مفيدًا لكل من اعتلت روحه بمرض هذه المعايير الواهية:
“من لا يهتم لك، لا تحرص على الذهاب إليه.”
إن هذه العبارة في عمقها الفلسفي ليست دعوة للجفاء أو الانكفاء على الذات، بل هي “قانون صيانة الكرامة” وأول أركان العلاقات الصحيحة المستمرة.
فالتقدير المتبادل، والإحساس بقيمة الآخر، وإظهار الامتنان لما يقدمه -مهما صغر- هو الأكسجين الوحيد الذي تتنفسه العلاقات؛ فإذا غاب التقدير، أصبحت المحاولات عبثاً، وأصبح الركض خلف من يجهل قدرك امتهاناً صريحاً لإنسانيتك.
إن الدواء الوحيد لمعافاة أرواحنا من سطوة المجتمعات التصنيفية هو أن نملك شجاعة الانتقاء، وأن ندرك أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في جوهره الأصيل، وفي قدرته على منح الامتنان والتقدير، لا في منصبه أو رصيده.
القاعدة الحياتية تقول:
“التقدير ليس منحة يُستجدى بها العطف، بل هو شرط الوجود في حياة الآخرين؛ فمن استهان بوجودك فإن حرصك عليه سلبٌ لكرامتك، ومن منحك قدرك فقد أقام معك أول أركان البقاء”.
سلطان محمد بن مسفر
كاتب رأي
لله درك يادكتور كافحت في دنياك الى ان وصلت ماوصلت اليه والى الامام والله يوفقك يالغالي