كُتاب الرأي

مع التحية والتقدير لعمي مانع.. وأما بعد

مع التحية والتقدير لعمي مانع.. وأما بعد

في استراحتنا باليرموك شرق مدينة الرياض، حيث لا يقاس الزمن بساعات الحائط بل بوزن الأحاديث وحميمية النقاشات التي تصقل فيها النفوس، تدور السجالات التي ترمم الروح وتفكك ظواهر الحياة. هذه الاستراحة ليست مجرد جدران وأسقف، بل هي ميثاق محبة واستدامة شهدت على غرسه وتأسيسه منذ ما يزيد على عشرين عاما؛ شاهدا وقائما على جمع مبارك يضم الخال والعم وابن العم، يضربون أروع الأمثلة في الالتفاف على قلب رجل واحد.
ومن هذا المقال، يطيب لي أن أبعث سلاما محفوفا بالدعاء أن يديم الله هذه اللحمة وهذه الألفة دائما وأبدا؛ فالحياة لا تستقيم استقامتها الكاملة إلا بحفاوة القرب واجتماع الأرحام على الود والوفاء.
مساء الخميس الماضي، أثرت في المجلس سؤالا كان محورا ممتدا لكثير من الاجتماعات والجلسات التي خضتها مؤخرا مع الأصدقاء والأحبة، سؤالا يبحث في جوهر مفهوم [المرجلة] والمعايير التي تصنف بها، وما إذا كانت تلك المعايير تتغير بتغير الأحوال وتبدل الزمان.
تعددت الآراء وتفاوتت الإجابات بين من كان الحديث معهم ، إلا أنها تقاربت في معظمها حول معيار مادي طاغٍ ؛ إذ اتفق معظم الأحبة على أن “المال” بات المعيار الأهم—إن لم يكن الوحيد في نظرة المجتمع المعاصر—لتجسيد الرجولة وإثبات حضورها وتشييد مكانتها.
كنت أترقب بلهفة شائقة إجابة عمي مانع (أبا عايد)، لما أعرفه فيه من رزانة رأي، وعمق تجربة، وبعد نظر. وحين أتاه الدور، نطق بحكمة تفكك سطحية الطرح المادي وتغوص إلى الجذور، قائلا إن المال بلا شك يمنح الرجل مساحة أكبر وأُفقا أرحب ليمارس عناصر رجولته ويبرز من خلالها، لكنه ليس المعيار الحاكم بمفرده؛ بل ينبغي أن يتوج بالتوفيق، وبوجود بصيرة نافذة يثمرها الله لك بعطاء لا يقدر بثمن: العقل. فالرجل قد يملك كافة أسباب القوة والمال، لكنه إن حرم الحكمة ورشادة العقل، عجز عن ممارسة رجولته بأسلوب صحيح.
سبحان من أجرى الحق على لسانه؛ فقد تقاطعت حكمة عمي أبا عايد تماما مع ما يراه والدي—أطال الله في عمره ومتعه بالصحة—حين يختصر المعايير كلها في كلمة واحدة: العقل في الأقوال والأفعال. وهنا فقط، اكتملت رحلة الاستقصاء والبحث، ورست السفينة على شاطئ الحقيقة التي غفلت عنها المقاييس المادية العابرة.
تأخذنا هذه الخلاصة إلى عمق الطرح الأخلاقي والمعرفي الذي شغل العقول عبر التاريخ؛ فالمال في جوهره أداة محايدة تمتد بحسب يد صاحبها.
وكما يشير أرسطو في تحليله لفضائل الأخلاق، فإن الثروة ليست هي الخير المطلق الذي ينبغي أن يطلب لذاته، بل هي مجرد وسيلة نافعة تطلب لأجل غايات أخرى أسمى، والفضل الحقيقي يكمن في كيفية إدارة الروح لهذه الوسيلة وفقا للرشد والفضيلة. فالمال ينفخ في صور الكبار، لكنه لا يصنع الكبار؛ يوسع مسرح الفعل، لكنه لا يضمن صواب الحركة ولا يمنح الحكمة.
وقد فطن كانط إلى هذا الفارق الفلسفي الدقيق حين فرق بين “القيمة السعرية” و”القيمة الأخلاقية الذاتية”، مؤكدا أن كل ما له سعر يمكن استبداله بغيره ومقايضته بالمال، أما ما يعلو فوق كل سعر ولا يقبل المفاضلة أو التعويض المادي، فهو الذي يملك كرامة وفضيلة ذاتية نابعة من جوهر الإنسان وعقله. فالمال يمنح الشخص قدرة شرائية ومظهرا خارجيا، لكن العقل والفضيلة هما ما يمنحانه الكرامة والهيبة الصلبة التي لا تشترى بأموال الأرض.
ويتفق آرثر شوبنهاور مع هذا المنظور الحصيف في تحليله لطبائع البشر، حيث يرى أن ما يملكه الإنسان في ذاته وعقله ورصيده الفكري هو ما يحدد قيمته الحقيقية ووزنه الوجودي، أما ما يملكه في رصيده المادي فهو مجرد عرض زائل يتغير بتغير الأوهام البشرية والظروف الطارئة.
أما العقل والتوفيق—أو ما أسماه عمي أبا عايد بـ”البصيرة”—فهما الجوهر الصلب للمرجلة. يتوافق هذا الطرح عميقا مع ما أصله ابن خلدون في مقدمته أثناء تشريحه لطبائع العمران والسياسة، حين أوضح أن الشرف والمجد لا يطولان ولا يستقران في العقب إلا إذا اقترنا بالخلال الحميدة وحسن التدبير ورصانة العقل، وإلا أذهبتهما الغفلة وسوء التقدير ولو كانت خزائن الأرض مجتمعة تحت أيديهم.
العقل هو البوصلة التي تضبط إيقاع الشجاعة كي لا تغدو تهورا، وتوجه السخاء كي لا يستحيل تبذيرا، وتحفظ صاحبها من الإفلاس الأخلاقي قبل المادي.
وفي الهدي النبوي الشريف، نجد التجسيد الأسمى لفك ارتباط القيمة الإنسانية بالمعايير المادية الظاهرة؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (متفق عليه).
المرجلة في النص النبوي ليست قوة الجسد ولا اتساع الجاه أو كثرة العرض، بل هي السيطرة الذاتية وضبط النوازع بحكمة العقل ورصانة الطبع.
وفي حديث آخر يقطع الشك باليقين في تفاضل الرجال: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (رواه مسلم).
ختمت ذلك المجلس المبارك بكلمة قلتها لعمي أبا عايد، بعيدا عن تعقيد المصطلحات وتنظير المعايير: دون أن نبخس شباب جيلنا حقهم، فإن النماذج الشهمة كثيرة ولله الحمد.
لكن من أراد أن يرى كيف تعاش “المرجلة” رأي العين في عصرنا هذا، الشواهد والبراهين أمامه، فلينظر إلى عمي مانع، إلى أفعاله، وأقواله،ومحبته لمساعدة الآخرين دون جزاءًا او شكورا.
خرجت بعد رحلة شهر ونصف من هذا السؤال بقاعدة حياتية تقول :
إن المرجلة ليست ادعاء يقال، ولا رصيدا يركم في البنوك، بل هي حكمة في العقل، وسكينة في الفعل، وبصيرة نافذة تجعل الرجل حصنا لمن حوله وميزانا ينطق بالحق والعدل.

سلطان محمد بن مسفر
كاتب رأي

 

 

الدكتور سلطان محمد بن مسفر

أديب سعودي، وكاتب رأي، ودكتوراه في حوكمة المنظمات، ومهتم بالثقافة والأدب وريادة الأعمال، ومؤلف كتاب (نبذة: حين يكون الجزء هو كل المعنى).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.