[شقيقي فيفا :أنت على حقّ]

[شقيقي فيفا :أنت على حقّ]
مقالي لهذا الأسبوع لم يأتِ من فراغ، بل انطلق من حوارٍ أخوي دافئ عبر مربع محادثة “الواتساب” مع شقيقي الأصغر “فيفا”.
وبالمناسبة، فإن الاستمرار في إطلاق الألقاب والتسميات التي تنشأ منذ الصغر ليس مجرد عادة عابرة، بل هو في علم الاجتماع سلوك محمّل بالدلالات الوجدانية والاجتماعية العميقة، فهو يعكس حجم الولاء الثابت للشخص وصاحبه، ويصون دفء العلاقات الأولى وميزان المحبة مهما تقدم بنا العمر وتغيرت الظروف والمسؤوليات.
كان محوّر حديث شقيقي “فيفا” يتناول ظاهرة نعيشها جميعاً وتضغط على مفاصل مجتمعنا اليوم: التكلف في الطموحات، والإصرار على صياغة أهداف تعجيزية صعبة التحقق لا نمتلك أدواتها العملية ولا دوافعنا الذاتية لها، فقط لأن المجتمع من حولنا، أو ما تُروج له منصات التواصل الاجتماعي، اصطلح على اعتبارها “علامات للنجاح والمكانة”!
لقد أصبحنا نعيش في فضاء مجتمعي مُحتدم يفرض على الشباب نمطاً محصوراً من “الطموح المعلّب”، فإما أن تكون ريادياً، أو متحدثاً، أو مسافراً بشكل دائم، أو ممتلكاً لعلامات ثراء وظهور محددة.
وخلال هذه الرحلة الشاقة والركض المجهد للوصول إلى غايات غريبة عن إمكانات الفرد، يستنزف الإنسان طاقته النفسية، ويفقد روحه وعناصره التكوينية الأصيلة، ليتحول بمرور الوقت إلى كائن اغترب عن ذاته، يُحرك مرغماً ليشبه غيره.
هذا التكلف المقيت فتك بطاقات كثير من الشباب، فجعل طموحاتهم مكررة، وطرق بحثهم عن ذواتهم مجرد عملية “نسخ ولصق” لتجارب ناجحين آخرين، مما جعلهم يعيشون تفاصيل حياتية ليست ملكاً لهم، بل سيناريوهات مستعارة يُعاد إخراجها بأجساد أرواحها غائبة.
دفعتني هذه الفكرة لكتابة تدوينة مركزة في منصة (X)، جاء فيها:
“كلما نَبَعَت أهدافك من واقعك وتخلّقت طموحاتك من أصالتك، لا من نُسَخِ الآخرين، انجلت عنك أوهام الاستعارة وظهرت كما أنت: حقيقياً، ممتلئاً بالمعنى، ولا تشبه إلا نفسك!”
ولم تقف الشرارة عند هذا الحد، إذ فتحت التغريدة حواراً راقياً مع صديق عزيز عبر اتصال هاتفي تعقيباً عليها، حيث بادرني قائلاً: “يا دكتور سلطان، المنطق يفرض أن الهيبة والسطوع الإنساني هما كاريزما وهبة إلهية لا يمكن لمُقلد أن يصنعها لنفسه مهما مارس الخداع على ذاته، لأن الأصل لا يُستنسخ”.
واتفقت رؤيتانا على أن أول أركان الكاريزما الحقيقية والسطوع البشري هو الابتعاد التام عن مقارنة النفس بالآخرين، فما يُعد مساراً صالحاً ومثمراً لغيرك بناءً على معطياته، قد يكون في جوهره مساراً مهلكاً لإمكاناتك وطبيعتك الخاصة.
ولعلي استدرك ماكتبه المختلف فريدريك نيتشه أن التكلف هو أصل التشوه الروحي لدى الإنسان، مؤكداً: “التكلف هو محاولة المرء أن يظهر بما ليس فيه، وفي هذه المحاولة بالذات يفقد الفرد القوة الوحيدة التي تمنحه أصالته ووجوده الحقيقي”.
ولا يمكن ان أتجاهل شرح العلامة ابن خلدون هذا الانحدار النفسي الناجم عن التقليد السطحي بقوله: “إن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن كمل لديها، فيستمر تقليدها لظاهره مع الغفلة عن باطنه، حتى تفقد شخصيتها وتغدو تبعاً لغيرها”.
إن علاج هذه الآفة المجتمعية يبدأ من إعادة تعريف النجاح داخل الأسرة والمؤسسات والأوساط الشبابية، إذ يجب أن نُدرك أن الكاريزما لا تُستورد، والنجاح لا يُستعار، والسكينة النفسية لا تُبنى على أجسادٍ تقمصت أرواحاً غير أرواحها.
الاستئناس بالآخرين إلهام، لكن محاكاتهم العمياء استنزاف وإهدار للكرامة، ولن يشرق الإنسان بهيبته وتأثيره في مجتمعه إلا حين يملك شجاعة التصالح مع حقيقته، والاطمئنان لطريقه الخاص، وتغذية أهدافه من واقعه لا من أوهام غيره.
القاعدة حياتية تقول:
لا تُرهِق وجودك بأوهام الاستعارة، فمن عاش يستنسخ طموحات غيره مات بغير هوية، ومن تصالح مع أصالة ذاته أشرق بهيبته وكاريزمته الخاصة
التي لا تُقلّد !
سلطان محمد بن مسفر
كاتب رأي

كلماتك لا تحارب الطموح، بل تنقيه من الاستعارة؛ ليعيد الإنسان إلى ذاته، إلى ما يناسب إمكاناته وطبيعته 👍🏻
وفقك الله دكتور سلطان