كُتاب الرأي

هل بدأ العد التنازلي أمام النظام الإيراني؟

هل بدأ العد التنازلي أمام النظام الإيراني؟

رؤية تحليلية .

الجمعة الموافق ( 28 ) أغسطس ( 2026 )م .

كتبه ؛اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي

دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

{ قد يستطيع النظام الإيراني تحمل الضغوط زمنا طويلا لكن الخطر يبدأ عندما تضيق أمامه البدائل أسرع من قدرته على صناعة بدائل جديدة . }

تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني مرحلة مختلفة لا تبدو فيها الصواريخ وحدها مقياس القوة ولا المفاوضات وحدها طريق الخروج. فبعد ستة أشهر من الحرب أصبحت طهران أمام مشهد تتقاطع فيه الضغوط الاقتصادية مع تداعيات الأزمة على الملاحة البحرية وتعثر المسار النووي واستمرار الخلاف حول مضيق هرمز بينما تتحرك الوساطات الإقليمية بحثا عن مخرج يمنع عودة العمليات العسكرية الواسعة .

السؤال هنا ليس متى يسقط النظام الإيراني ولا متى يستسلم لأن مثل هذه الأحكام تتجاوز ما تسمح به المؤشرات الحالية وإنما السؤال الأكثر واقعية هو: هل بدأت الخيارات المتاحة أمامه تتناقص؟

1. المشكلة ليست في العقوبات وحدها .

تعرض النظام الإيراني للعقوبات طوال عقود ولذلك فإن مجرد إضافة عقوبات جديدة لا يعني بالضرورة أن يتغير سلوكه سريعا . المختلف اليوم أن الضغط الاقتصادي يأتي بعد حرب أضعفت جزءا من قدراته العسكرية وفي ظل قيود متزايدة على صادراته وحركة أمواله وممراته التجارية .

وتدل المؤشرات الحالية على أن واشنطن تحاول توسيع المواجهة من استنزاف القدرات العسكرية إلى زيادة الضغط على القدرة الاقتصادية على تمويل الدولة والحرب معا. وهذا تحول مهم لأن القوة العسكرية يمكن إعادة بناء أجزاء منها مع الزمن أما استمرار الضغط على مصادر الدخل والتجارة والعملة فيجعل كلفة الزمن نفسه جزءا من المواجهة .

2. طهران بين باب مفتوح وطريق يضيق .

المشهد الأكثر دلالة أن واشنطن تؤكد عدم وجود مفاوضات حاليا بينما تستمر التحركات الدبلوماسية الإقليمية لإعادة الطرفين إلى مسار سياسي .

وهنا تظهر معادلة جديدة. النظام الإيراني لا يريد العودة إلى المفاوضات بصورة تبدو استجابة مباشرة للضغط وفي الوقت نفسه يصعب عليه تجاهل الكلفة المتراكمة لاستمرار الوضع الحالي. ولذلك قد تصبح المشكلة بالنسبة إليه ليست قبول التفاوض أو رفضه وإنما الثمن الذي سيدفعه كلما تأخر الوصول إليه .

إنها مساحة سياسية تضيق تدريجيا لأن استمرار الضغط يرفع كلفة الانتظار بينما قد يرفع التفاوض المتأخر بدوره كلفة الشروط .

3. هرمز من ورقة ضغط إلى عبء سياسي .

استخدم النظام الإيراني مضيق هرمز باعتباره إحدى أهم أوراق التأثير في خصومه لكن استمرار اضطراب الملاحة بدأ يحول هذه الورقة إلى قضية دولية تتجاوز الصراع بين طهران وواشنطن .

فالطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد لا تخص طرفي الحرب وحدهما وأي اضطراب طويل في هذا الممر يمس مصالح دول عديدة بعضها يرتبط بعلاقات اقتصادية مهمة مع إيران نفسها .

وهنا تظهر معادلة تستحق الانتباه. فالورقة التي تمنح طهران قدرة على الضغط قد تصبح كلما طال استخدامها سببا في توسيع دائرة الدول المتضررة منها. وعند هذه النقطة لا يعود السؤال عن قدرة النظام الإيراني على تعطيل الملاحة وإنما عن المدة التي يستطيع خلالها تحمل النتائج السياسية والاقتصادية لذلك التعطيل .

4. الملف النووي لم يختف خلف الحرب .

رغم انتقال الاهتمام الدولي إلى العقوبات والملاحة بقي الملف النووي في قلب الأزمة . فمخزون اليورانيوم عالي التخصيب ووضع المنشآت المتضررة وعودة المفتشين والرقابة الدولية كلها ملفات لم تصل إلى نهاية واضحة .

وهذا يعني أن أي تسوية سياسية مستقبلية لن تبدأ من صفحة بيضاء بل ستجد أمامها ملفات متراكمة تتداخل فيها الضمانات النووية مع العقوبات والملاحة والترتيبات الأمنية .

ومن هنا يصبح مرور الوقت سلاحا ذا حدين. فقد يراهن النظام الإيراني على أن طول الأزمة يرهق خصومه لكنه في المقابل يسمح بتراكم الملفات التي سيحتاج إلى معالجتها إذا عاد إلى التفاوض .

5. هل اقتربت لحظة الاختيار؟

لا تدل المؤشرات حتى الآن على انهيار وشيك للنظام الإيراني كما لا تؤكد أن العقوبات ستجبره وحدها على تغيير سياساته. فقد أثبت النظام خلال العقود الماضية قدرة على تحمل مستويات مرتفعة من الضغط ونقل جزء كبير من تكلفتها إلى الداخل الإيراني .

لكن الوضع الحالي يختلف في اجتماع الضغوط في وقت واحد. الاقتصاد تحت ضغط والملاحة ما زالت متأثرة بتداعيات الأزمة والملف النووي معلق والقدرات العسكرية تعرضت للاستنزاف والوسطاء يتحركون بينما تؤكد واشنطن أن جميع الخيارات لا تزال مطروحة .

وهذا لا يعني أن الحرب أصبحت حتمية ولا أن التسوية أصبحت قريبة بل يعني أن المساحة الواقعة بينهما أصبحت أضيق .

الخاتمة .

العد التنازلي المقصود ليس بالضرورة عد تنازلي لبقاء النظام الإيراني بل قد يكون عد تنازلي للوقت الذي يستطيع خلاله الاحتفاظ بجميع خياراته مفتوحة في آن واحد .

وقد علمت تجارب الأمم أن القوة في الأزمات الطويلة لا تقاس بكثرة ما يملكه الطرف من وسائل الضغط بل بما يبقى منها صالحا عندما تحين لحظة استخدامها وأن الخصم قد يتحمل ضغطا شديدا لكنه يصبح أكثر عرضة للخطأ عندما تضيق أمامه مساحة الاختيار. والنظام الإيراني يدخل مرحلة قد يكتشف فيها أن بعض ما راكمه طوال سنوات من أدوات الضغط بدأ يفقد قيمته أو يتحول إلى أعباء وأن الانتظار الذي كان يمنحه سابقا مساحة للمناورة قد يصبح هذه المرة عاملا يضيقها. ولعل أخطر ما يواجه صاحب القرار ليس قوة خصمه وحدها بل أن يصل متأخرا إلى القرار الصحيح بعد أن تكون البدائل الأفضل قد غادرت الطاولة .

وعندها لن يكون السؤال من يستطيع الصمود مدة أطول بل من يصل إلى لحظة القرار وما زالت أمامه خيارات أفضل .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.