أين ستبدأ الجولة الثانية من الحرب؟

أين ستبدأ الجولة الثانية من الحرب؟
رؤية تحليلية.
الأربعاء الموافق (19) أغسطس 2026م.
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية.
{ أخطر الحروب ليست تلك التي نعرف موعد بدايتها بل تلك التي تكون ساحاتها قد أختيرت قبل أن يسمع العالم طلقتها الأولى. }
انتهت المهلة السياسية ولم تنته أسباب الحرب بل ربما كشفت نهايتها أن ما جرى لم يكن سوى مرحلة بين جولتين . فتعثر الوصول إلى تسوية نهائية واستمرار الخلاف حول القضايا الرئيسية وعودة المؤشرات العسكرية إلى الواجهة تضع المنطقة أمام سؤال لم يعد متعلقا بموعد إستئناف العمليات العسكرية فقط وإنما بالمكان الذي يمكن أن تبدأ منه الجولة الثانية.
غير أن قراءة المشهد لا ينبغي أن تساوي بين المسؤوليات . فالنظام الإيراني يتحمل مسؤولية كبيرة عن حالة عدم الاستقرار التي أحاطت بالمنطقة عبر عقود من بناء الجماعات الإرهابية المسلحة والمافيات الدولية المنظمة ودعمها وتسليحها واستخدامها أدوات عابرة للحدود ثم توظيف الصواريخ والطائرات المسيرة وتهديد الملاحة والمنشآت الحيوية وسائل للضغط السياسي والعسكري .
وتدل مجمل المؤشرات والدلائل والدراسات الحالية على أن النظام الإيراني يستثمر الوقت في إعادة ترتيب قدراته العسكرية وتعزيز إنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة وإعادة تنظيم مراكز القيادة والسيطرة وتوسيع التنسيق مع أذرعه الإرهابية وعصاباته وميليشياته المسلحة في المنطقة . ولذلك فإن الجولة المقبلة إن وقعت قد تكون أوسع جغرافيا وأكثر تنوعا في أدواتها من سابقتها.
أولا: مضيق هرمز… الشرارة الأقرب.
يبقى مضيق هرمز أكثر نقاط الاحتكاك قابلية للإشتعال بسبب تداخل الملاحة الدولية والطاقة والوجود العسكري الأمريكي وإصرار النظام الإيراني على توظيف هذا الممر الدولي الحيوي ورقة للمساومة والضغط .
وهنا تتجاوز المسؤولية الإيرانية الحسابات العسكرية إلى مسألة تمس النظام الدولي نفسه . فتهديد السفن أو تعطيل الملاحة أو محاولة فرض شروط سياسية بالقوة على ممر دولي ( طبيعي ) تستخدمه دول العالم لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنا إيرانيا داخليا بل سلوكا تمتد آثاره إلى أمن الطاقة والتجارة والملاحة الدولية .
وقد لا تحتاج الجولة الثانية إلى إعلان رسمي ببدء الحرب . فحادث بحري أو استهداف سفينة أو قطعة عسكرية أو محاولة فرض واقع جديد على حركة الملاحة يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى تبادل واسع وهائل للضربات .
ثانيا: العمليات البرية… الاحتمال الأخطر .
الجديد والأكثر إثارة للانتباه أن السيناريوهات المتداولة أخيرا لم تعد تقف عند حدود الصواريخ والطائرات المسيرة والعمليات البحرية بل أمتدت إلى إحتمالات تتصل بإنتقال المواجهة إلى عمليات برية في بعض دول المنطقة .
وإذا أنتقل مثل هذا الإحتمال من دائرة التخطيط والافتراض إلى التنفيذ فإن المسألة لن تكون مجرد توسع عسكري آخر . فدخول قوات إيرانية أو جماعات إرهابية مسلحة مرتبطة بالنظام الإيراني إلى أراضي دولة ذات سيادة سيمثل إنتهاكا بالغ الخطورة لسيادتها وسلامة أراضيها وسيضع النظام الإيراني أمام مسؤولية دولية جسيمة متى ثبت ارتكاب الفعل أو إسناده إليه وفقا لقواعد القانون الدولي .
والعمل من خلال الجماعات المسلحة لا يمحو المسؤولية القانونية متى تحققت شروط الإسناد . فالحدود الوطنية للدول ليست ساحات مباحة لتصفية حسابات النظام الإيراني مع خصومه ولا يمنح الصراع مع الولايات المتحدة طهران حق نقل الحرب إلى أراضي دول أخرى لم تختر أن تكون طرفا فيها بتاتا .
لكن وجود سيناريو عسكري شيء واتخاذ القرار بتنفيذه شيء آخر . فلا تتوافر حتى الآن معلومات علنية موثوقة تسمح بالتأكيد بأن النظام الإيراني إتخذ قرارا بعملية برية ضد دولة بعينها .
غير أن مجرد انتقال التفكير العسكري إلى هذا المستوى يكشف خطورة سياسة تجعل أراضي الدول الأخرى ومياهها ومجالاتها الجوية ساحات محتملة لإدارة صراعات النظام الإيراني .
ثالثا: العراق… الممر والجبهة .
يمثل العراق إحدى أكثر ساحات الصراع حساسية بسبب موقعه الجغرافي ووجود جماعات إرهابية مسلحة مرتبطة بالنظام الإيراني وقدرة طهران على إستخدام نفوذها هناك لفتح مسارات إضافية للضغط دون الدفع منذ البداية بقوات إيرانية نظامية كبيرة .
وقد تستخدم هذه الجماعات للضغط أو الإسناد أو استهداف القوات والمصالح الأمريكية أو فتح جبهة جديدة تمنح النظام الإيراني مساحة للمناورة وتوزيع المواجهة على أكثر من مسرح عمليات .
وهنا تتجلى إحدى نتائج السياسة الإيرانية التي بنت جزءا من نفوذها الإقليمي على قوى مسلحة إرهابية خارج مؤسسات الدول . فهذا النموذج لا يصنع استقرارا ولا يحمي سيادة الدول بل يراكم أزمات يمكن استدعاؤها كلما احتاجت طهران إلى ورقة جديدة .
رابعا: البحر الأحمر وباب المندب… توسيع دائرة الصراع .
يحسب النظام الإيراني أن توسيع مساحة المواجهة قد تعمل على توزيع قدرات خصومه الدوليين . ومن هنا تبرز الجماعة الحوثية الإرهابية المسلحة بوصفها إحدى الأدوات التي يمكن إستخدامها لتهديد الملاحة في باب المندب وجنوب البحر الأحمر بالتزامن مع الضغط في مضيق هرمز .
وهكذا يصبح هرمز وباب المندب طرفي معادلة خطرة ؛ ضغط على الطاقة والملاحة في الخليج العربي وتهديد لأحد أهم شرايين التجارة الدولية في البحر الأحمر .
وما يزيد خطورة هذه السياسة أنها تحمل دول المنطقة وشعوبها والاقتصاد العالمي أثمان صراع لم تكن تلك الدول طرفا في إشعاله ولا يجوز إستخدام أمنها وممراتها البحرية ومنشآتها الحيوية أوراقا في مساومات النظام الإيراني.
خامسا: الداخل الإيراني… مركز الثقل الحقيقي .
مهما تعددت ساحات التصعيد فإن مركز الثقل العسكري سيبقى داخل إيران نفسها .
فإذا تعرضت القوات الأمريكية أو مصالح حيوية في المنطقة لهجوم كبير فإن الرد الأمريكي المرجح قد يتجه إلى مصادر القدرة العسكرية الإيرانية من الصواريخ والطائرات المسيرة ومراكز القيادة والسيطرة والإتصالات والإستخبارات و الإنذار المبكر والمنشآت العسكرية والبنية ( الحساسة ) التي تمكن النظام من استمرار عملياته .
وعندها قد يجد النظام الإيراني نفسه أمام نتائج السياسة التي اختارها ؛ فمن يوسع ساحات الحرب خارج حدوده ويهدد أمن الدول والملاحة والمنشآت الحيوية لا يستطيع أن يفترض أن تبقى أراضيه بمنأى عن ردود الفعل العسكرية التي قد تستدعيها أفعاله.
سادسا: المباغتة… والخطأ الذي قد يدفع ثمنه الجميع .
يدرك النظام الإيراني أن انتظار الضربة يمنح خصمه أفضلية إختيار الوقت والهدف ولذلك قد يرى بعض صناع القرار داخله أن ( المبادأة ) بعملية محسوبة تمنحه فرصة لتغيير قواعد المواجهة .
وقد تكون المبادأة بحرية في هرمز أو صاروخية ضد موقع أمريكي أو من خلال إحدى أذرعه الإرهابية المسلحة أو عبر عملية برية محدودة يعتقد النظام أنه قادر على ضبط حدودها .
لكن الحروب لا تسير دائما وفقا للحسابات التي تبدأ بها . فالعملية التي يراها صاحب القرار محدودة قد يراها الطرف المقابل تجاوزا لخط أحمر يستوجب ردا كبيرا واسعا .
وهذه إحدى أخطر تناقضات السياسة الإيرانية ؛ فهي تستخدم التصعيد أداة ثم تفترض إمكانية التحكم في نتائجه وتبني نفوذها على الجماعات الإرهابية المسلحة ثم تحاول التنصل من مسؤولية أفعالها وتهدد أمن دول المنطقة وممراتها ومصالح شعوبها ثم تقدم نفسها باعتبارها الطرف الذي يدافع عن أمنه . وهذه سياسة لا تصنع ردعا بقدر ما تراكم المسؤولية وتوسع دائرة الخصوم وقد تدفع المنطقة إلى دفع أثمان خيارات لم تكن طرفا في صنعها .
سابعا : أين ستبدأ الجولة الثانية؟
إذا جمعت المؤشرات العسكرية والجغرافية والسياسية فإن مضيق هرمز يبقى أكثر الأماكن قابلية لإنتاج الشرارة الأولى بينما يمثل العراق ساحة محتملة للتمدد والبحر الأحمر جبهة لتوزيع الضغط وتبقى الأراضي الإيرانية مركز الثقل الذي يمكن أن تتجه إليه القوة الأمريكية .
لكن دخول العمليات البرية ضمن السيناريوهات المحتملة يضيف بعدا أشد خطورة . فانتقال الحرب من الصواريخ والمسيرات والبحار إلى أراضي دول أخرى لن يكون مجرد إمتداد للجولة الأولى بل تغيرا في طبيعة الحرب نفسها وفي المسؤوليات السياسية والقانونية المترتبة عليها.
الخلاصة الاستراتيجية .
أما المسؤولية السياسية والاستراتيجية للنظام الإيراني فلا تبدأ عند إطلاق الصاروخ أو عبور القوة للحدود بل تمتد إلى السياسة التي جعلت تهديد الدول والممرات البحرية والمنشآت الحيوية وإستخدام الجماعات الإرهابية المسلحة أدوات لتحقيق أهدافه .
وقد تبدأ الجولة الثانية من هرمز وقد تمتد عبر العراق والبحر الأحمر وقد تنطلق من ( مباغتة ) لم تكن في حسابات الطرف الآخر لكن أخطر تحول فيها سيكون انتقال المواجهة إلى الأرض .
وإذا أقدم النظام الإيراني على مثل هذه المغامرة فلن تقف تبعاتها عند حدود المسؤولية العسكرية والسياسية بل قد تمتد إلى المسؤولية القانونية الدولية عن أي إنتهاك لسيادة الدول وسلامة أراضيها متى ثبت الفعل وإسناده إليه وفقا لقواعد القانون الدولي .
فالحروب الكبرى لم تبدأ دائما بقرارات كبرى . بعضها بدأ بخطوة ظن أصحابها أنها محسوبة ثم اكتشفوا بعد فوات الأوان أنهم فتحوا بابا لم يعودوا قادرين على إغلاقه .
وقد اختصرت تجارب التاريخ وفلسفة الحرب هذه الحقيقة في معنى بالغ الدلالة :
{ قد يختار القادة ساعة الحرب ومكان بدايتها لكنهم بعد الطلقة الأولى لا يملكون دائما طريقها ولا مكان نهايتها ؛ فالحرب تبدأ بالحساب… وتنتهي بما لم يكن في الحساب . }
وعندها لن يكون السؤال أين بدأت الجولة الثانية… بل أين ستنتهي؟ .

