كُتاب الرأي

لجاك الفالج لا تعالج

لجاك الفالج لا تعالج

بدر بن سالم 

كانت فتاةً في عمر الزهور، وكلما اشتد النقاش أو ضاقت بها الدنيا، سقطت مغشيًا عليها، لتستيقظ على سرير المستشفى. تكررت الزيارات، وتعددت الفحوصات، وكان الجواب واحدًا: قلبك سليم، ولا توجد أي مشكلة عضوية تفسر ما يحدث.
كان الأطباء ينصحونها بمراجعة طبيب نفسي، لكنها كانت تعترض قائلة:
«لست مجنونة.»
فاستمرت معاناتها، واستمرت معها نوبات الإغماء، حتى أصبحت الحياة بالنسبة لها طاحونةً تطحن مشاعرها قبل جسدها.
وفي إحدى المرات، كان الموت أقرب إليها من الحياة وهي ترقد على سرير أحد المستشفيات الحكومية. حضر طبيب معالج، جلس بقربها بهدوء، واستمع إليها طويلًا، ثم قال لها إن ما تعانيه قد يكون مرتبطًا بنوبات هلع وضغط نفسي، وإن بعض العوامل الجسدية والنفسية قد تزيد من شدة الأعراض.
بدأت رحلة العلاج، والتزمت بالمراجعات، وبعد أشهر قليلة استعادت حياتها.
عندها أدركت أن الإنسان أحيانًا يبحث عن العلاج في المكان الخطأ؛ يبحث عن دواء للقلب، بينما الألم يسكن في الخوف، ويبحث عن علاج للجسد، بينما روحه هي التي تطلب النجدة.
وليس هذا حالها وحدها.
فكم من تاجر خسر تجارته، فظن الناس أنه محسود أو مصاب بعين، بينما قد تكون الضغوط النفسية المتراكمة قد أرهقته وأفقدته التركيز.
وكم من إنسان تغير طبعه فجأة، فأصبح عصبيًا، منعزلًا، قليل الكلام، يهرب من الناس، ولا يسأل أحد نفسه:
ماذا يحدث في داخله؟
نحن بارعون في إصدار الأحكام، لكننا قليلون في السؤال عن الوجع الذي سبق الحكم.
قد ترى إنسانًا يضحك أمامك، ولا تعلم أنه يخوض في داخله معركة لا يسمع صوتها أحد.
وقد تجلس بجوار شخص هادئ، بينما في صدره ضجيج لا يهدأ.
وقد ترى شخصًا يرفض الخروج من منزله، فتصفه بالكسل، بينما هو يقاوم خوفًا لا تستطيع أنت أن تراه.
همسة في أذنك يا أخي…
لا تنتقد من يراجع معالجًا نفسيًا.
فهو لم يذهب ضعفًا، بل ذهب شجاعةً ورغبةً في النجاة.
الذي يطلب العلاج ليس مجنونًا، كما أن من يراجع طبيب القلب ليس ضعيفًا، ومن يراجع طبيب العيون ليس ناقصًا.
كل إنسان له جسد وله نفس، وكلاهما يحتاج إلى العناية.
وفي مجتمعنا من يحرق ملابس زوجته، ومن يتهم أهله بأنهم دسوا له السم، ومن يوقظ أسرته مهددًا بالانتحار، ومن يعيش الشك والخوف والغضب حتى تصبح حياته وحياة من حوله جحيمًا.
هؤلاء ليسوا مادة للسخرية.
إنهم بشر يحتاجون إلى الفهم قبل الإدانة، وإلى العلاج قبل أن تتفاقم معاناتهم.
لا تجعل كلمة «نفسي» تخيفك.
النفس تمرض كما يمرض الجسد.
والمرض النفسي ليس عيبًا في الإنسان، وإنما العيب أن نرى إنسانًا يتألم ونتركه وحيدًا لأننا نخاف من كلام الناس.
ولعل أخطر ما يفعله المجتمع أن يجعل المريض يخجل من مرضه، فيخفيه حتى يستفحل.
نقول له:
«لا تذهب للطبيب النفسي، ماذا سيقول الناس؟»
ثم إذا انهار قلنا:
«لماذا لم يخبرنا؟»
وكأن الناس أهم من الإنسان نفسه.
يا عزيزي…
لا تجعل نظرة الآخرين أغلى من حياتك.
إذا شعرت أن حياتك أصبحت أثقل من قدرتك على الاحتمال، فاطلب المساعدة.
وإذا شعرت أن أفكارك تسيطر عليك، فتكلم.
وإذا أصبح نومك مضطربًا، أو خوفك دائمًا، أو حزنك لا يغادر، فلا تنتظر حتى يتحول الألم الصغير إلى جبل لا تستطيع تسلقه.
إن الله جعل لكل سبب مسببًا، وجعل السعي بابًا من أبواب النجاة.
فكما تذهب إلى الطبيب حين يؤلمك جسدك، اذهب إلى المختص حين تتعب نفسك.
لا تنتظر أن ينكسر الإنسان حتى نبحث له عن العلاج.
فالوقاية أرحم من الانهيار.
وأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من يعطيه محاضرة، بل إلى شخص يجلس بجانبه ويقول له:
«أنا أسمعك.»
كلمة واحدة قد تفتح بابًا أغلقه الخوف سنوات.
وجلسة واحدة صادقة قد تجعل الإنسان يرى حياته من زاوية لم يرها من قبل.
والطبيب النفسي ليس ساحرًا، ولا يملك عصا سحرية، لكنه قد يساعدك على فهم ما يحدث داخلك، وعلى ترتيب الفوضى التي عجزت وحدك عن ترتيبها.
فلا تخجل من طلب العلاج.
لا تجعل المرض النفسي وصمة.
ولا تجعل كلام الناس يحرمك من حقك في أن تعيش بسلام.
تحرك نحو نجاتك.
فربما كانت الخطوة التي تخاف منها اليوم، هي نفسها الخطوة التي ستشكر نفسك عليها غدًا.
وربما كانت جلسة واحدة مع مختص، أو كلمة صادقة، أو اعتراف منك بأنك تعبت، هي بداية عودتك إلى نفسك.
وتذكر دائمًا:
ليس عيبًا أن تقول: تعبت.
العيب أن تتألم وحدك، وأمامك باب تستطيع أن تطرقه.
اطلب العلاج، واستعن بالله، وخذ بالأسباب.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في إرضاء الناس، وأثمن من أن نخسرها خوفًا من كلمة:
«ماذا سيقولون؟»

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.