كُتاب الرأي

*أسرار أصوات العربية*

*أسرار أصوات العربية*

الكاتب – أبو حماد ناصر الانصاري المليباري -الهند

في أحد الدروس طلب المدرس من طالب أن يقرأ كلمة «قَلْب»، فإذا به ينطقها «كَلْب». كان التغيير بسيطا في النطق، لكنه أحدث فرقا كبيرا في المعنى. ومن هنا نفهم تتميز العربية بثراء صوتي واضح، وبوجود أصوات متقاربة في المخرج أو الصفة، مع بقاء الفرق بينها مؤثرا في بنية الكلمة ودلالتها.
فنجد مثلًا الفرق بين سَيْف وصَيْف، وبين تِين وطِين، وبين قَلْب وكَلْب؛ ففي كل زوج يتغير صوت واحد، لكن المعنى يتغير معه. وهذه الدقة الصوتية من الخصائص التي تمنح العربية ثراء وتنوعا، وتجعل النطق جزءا أساسيًا من بناء المعنى، لا مجرد وسيلة لإخراج الكلمات.
وقد لاحظت في تجربتي أن غير الناطق بالعربية قد يواجه صعوبة في بعض الأصوات، مثل العين والحاء والخاء والصاد والضاد والطاء والظاء والقاف؛ لأن المتعلم يدخل إلى العربية وهو يحمل نظاما صوتيا تشكل في لغته الأم، فيحاول أحيانا تقريب الصوت العربي الجديد من صوت مألوف لديه. ولهذا قد تقترب الصاد من السين، والطاء من التاء، والقاف من الكاف. ولا يعني ذلك أن المتعلم ضعيف، وإنما يعني أن أذنه ولسانه بحاجة إلى التكيف مع نظام صوتي جديد.
ومن هنا نكتشف أن تعليم النطق لا ينبغي أن يبدأ باللسان فقط، بل بالأذن أولًا. فالطالب الذي لا يستطيع أن يسمع الفرق بين «س» و«ص» لن يستطيع بسهولة أن ينطق الفرق بينهما. لذلك أصبحت أعتمد في التعليم على مراحل متدرجة: الاستماع، ثم التمييز، ثم التقليد، ثم التدريب، ثم استخدام الصوت في الكلمات والجمل والحوار.
إن هذه التجربة جعلتني أنظر إلى الأصوات بوصفها إحدى الخصائص المميزة للعربية؛ فالعربية لا تعتمد على كثرة المفردات وحدها، بل تمتلك نظامًا صوتيًا دقيقًا يجعل تغيير حرف واحد قادرًا على تغيير الكلمة ودلالتها. ومن هنا فإن تعليم أصوات العربية لغير الناطقين بها ليس درسًا هامشيًا في النطق، بل هو مدخل إلى فهم جانب من جمال العربية وخصوصيتها.
ربما يكون أجمل ما تكشفه لنا العربية أن الحرف قد يكون صغيرا في شكله، لكنه كبير في أثره؛ فقاف تتحول إلى كاف، أو صاد إلى سين، أو طاء إلى تاء، وقد تنتقل الكلمة كلها إلى معنى آخر. وهنا يظهر سر من أسرار العربية: صوت دقيق، ومعنى دقيق، ولغة تجعل للفروق الصغيرة أثرا كبيرا.

كاتب رأي 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.