نادي القصة
وجهٌ كله نور

وجهٌ كله نور
بدر بن سالم
أمرّ بجانب المسجد، فأرى الناس يدخلون بيت ربهم، بينما أعود أنا إلى بيتي. أطفئ الأنوار، وأرتمي على فراشي، كأن النوم يبتلع همومي لساعات قليلة، ثم يعيدها إليّ مع أول يقظة.
أستيقظ على أذان الفجر، أحتسي قهوتي، وأشعل سيجارتي، محاولاً أن أرتب حياةً تبدو أكثر فوضى من أن تُرتَّب.
لماذا يبدو كل شيء عابراً؟ ولماذا أشعر أن كل محاولة للترتيب مؤقتة؟ وهل يأتي يوم أجد فيه السلام وسط هذا الضجيج؟
مع خيوط الصباح أركن سيارتي في موقف الشركة. يحين وقت الاستراحة، فيتجه بعض الزملاء إلى المسجد، بينما أبقى خلف شاشة الحاسوب، أغلق الإيميلات، وأحدق في الفراغ.
قلت في نفسي: أهذه هي الحياة؟ أم أنها مجرد أيام تتكرر بأسماء مختلفة؟
دخل رجل لا أعرفه، ألقى السلام، وبدا كأنه يبحث عن المصلى. أشرت له إلى الطريق، فابتسم وقال وهو يغادر:
“وجهك كله نور.”
توقفت عند عبارته.
لماذا لامست شيئاً عميقاً في داخلي؟ أكانت مجرد مجاملة؟ أم رسالة ساقها الله إلى قلبٍ أنهكته الغفلة؟
عدت إلى منزلي، وما زالت العبارة تتردد في ذهني: “وجهك كله نور.”
غفوت قليلاً، ثم استيقظت على الأذان. توضأت، ومضيت إلى المسجد دون ذلك الثقل الذي اعتدت أن أشعر به.
وقف الإمام يسوي الصفوف، ثم تلا قوله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
في تلك السجدة، بكيت كما لم أبكِ منذ سنوات. شكوت إلى الله ما عجز لساني عن أن يشكو به لأحد، وشعرت لأول مرة أن القلب حين يضع حمله بين يدي خالقه، يخفّ.
ومنذ ذلك اليوم، لازمت الصلاة. لم تختفِ همومي كلها، لكنني وجدت السكينة التي كنت أبحث عنها في كل مكان.
ومع نهاية الشهر، بدأت الأقدار تفتح أبواباً لم أتوقعها.
اعتمدت زيادة راتبي، ثم جاءت ترقيتي، وبعدها وصلني اتصال لم أنتظره:
“ما تبي ترجع؟ خلاص… يكفي.”
حينها أدركت أن بعض العبارات لا تأتي مصادفة، وأن كلمةً واحدة قد تكون بداية طريق، إذا وافق الله لها قلباً مستعداً للهداية.