كُتاب الرأي

​عطر الأماكن وهوية الحكاية

​عطر الأماكن وهوية الحكاية

بدر بن سالم 

حين تتجول في المملكة، لا تمشي فوق أرضٍ واحدة فحسب، بل تمشي فوق ذاكرةٍ واسعة؛ لكل منطقة فيها لونها، وثوبها، وطيبها، وزينتها، ولهجتها، وحكايتها.
تأملتُ يومًا في موروث المرأة السعودية، فوجدت أن الجمال عند أمهاتنا وجداتنا لم يكن مجرد زينة عابرة، بل كان هويةً تحفظها المرأة كما تحفظ اسمها وبيتها وأهلها.
كانت المرأة تعرف أن ثوبها يقول من أين جاءت، وأن حليها تحكي شيئًا عن بيئتها، وأن رائحة الطيب قد تسبقها إلى المجلس، وأن نقشة الحناء على يدها يمكن أن تحمل فرحة مناسبة كاملة.
في نجد، حيث الصحراء الواسعة والبيوت الطينية والمجالس العامرة، كان للثوب النجدي هيبته، وللزخرفة حكايتها، وللذهب مكانته. تلبس المرأة ثوبها بعناية، وتضع حليها، وتزين يديها بالحناء، ثم يأتي الكحل ليمنح العين ذلك الجمال العربي الذي لا يحتاج إلى كثير من الكلام.
وكان العود والطيب من روائح نجد المحببة؛ يفوح في البيت والمجلس، وتبخّر به الثياب، وكأن الرائحة نفسها أصبحت جزءًا من الذاكرة.
وفي الحجاز، حيث مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف، كان المشهد أكثر تنوعًا؛ فالحجاز ملتقى الناس والثقافات، ولذلك انعكس ذلك على لباس المرأة وزينتها.
ثوب حجازي مزخرف، وأقمشة جميلة، وحلي تزين العنق واليدين، وعباءة لها شكلها القديم، وطيب يفوح في المناسبات.
وكان ورد الطائف حكاية أخرى؛ رائحة خرجت من الجبل، ثم دخلت البيوت والقلوب، وصارت جزءًا من طيب الحجاز وذاكرته.
وفي المدينة المنورة، كانت للمرأة أناقتها الهادئة، وللمناسبات طقوسها، وللطيب مكانه، حتى تشعر أن الأناقة لم تكن في كثرة ما تضعه المرأة، وإنما في تناسق ما تختار.
ثم تمضي إلى جدة، فتجد مدينة البحر والتجارة، مدينةً عرفت القادمين من أقطار كثيرة، فانعكس هذا التنوع على الأقمشة والزينة والطيب، وبقي للمرأة الحجازية طابعها الخاص الذي يجمع بين الأناقة والبساطة.
ثم ننتقل إلى المنطقة الشرقية، فنجد ثوب النشل حاضرًا في الذاكرة الشعبية؛ ثوب واسع، جميل، غني بالألوان والزخارف، يزداد جمالًا في الأعراس والمناسبات.
وفي الأحساء خصوصًا، كان للمرأة حضور مختلف؛ أقمشة وزخارف وحلي وذهب، وبيئة نخيل وماء وواحات، جعلت للموروث هناك شخصية لا تخطئها العين.
وفي البيوت الشرقية، كان البخور والطيب جزءًا من الضيافة، كما كان العطر جزءًا من استعداد المرأة لمناسبتها، فتجتمع رائحة البيت مع رائحة الثوب مع رائحة العود.
ثم تأخذك الطريق إلى الشمال.
هناك، حيث اتساع الصحراء وبرودة الشتاء وحياة البادية، تظهر الثياب المطرزة والحلي الفضية، وتبرز الزخارف التي تحمل شيئًا من طبيعة المكان.
لم تكن الزخرفة مجرد خطوط وألوان؛ كانت المرأة تحمل بها شيئًا من ذاكرتها، كما تحمل الصحراء آثار من مروا بها.
وكانت الحلي الفضية والقلائد والأساور جزءًا من زينة المرأة، وكانت العباءة والثوب يتناسبان مع حياة تعرف التنقل، وتعرف الصبر، وتعرف كيف تصنع من القليل جمالًا.
ثم تنزل بنا الطريق إلى الجنوب، وهناك تتغير الصورة مرة أخرى.
في عسير، تتحدث الألوان قبل الكلمات.
ثوب عسيري، وتطريز وزخارف، وألوان تحمل روح الجبل والقرية، وحلي تزيد المرأة حضورًا وجمالًا.
وفي الباحة، تلتقي الزخرفة مع طبيعة المكان، وتظهر الثياب الشعبية التي حفظتها الذاكرة جيلًا بعد جيل.
ثم نصل إلى جازان، حيث البحر والسهول والجبال، فتجد للمرأة أزياء مختلفة بحسب البيئة، وألوانًا أكثر حضورًا، وحليًا وحناءً وطيبًا يكتمل به المشهد.
وفي نجران، تجد ثوبًا له شخصيته الخاصة، وتطريزًا يحمل هوية المكان، وحليًا وزينة تجعل المرأة وكأنها تحمل في ثوبها تاريخ الوادي والقبيلة والبيت.
والعجيب أن كلما انتقلت من منطقة إلى أخرى، تغير الثوب، وتغيرت الألوان، واختلفت طريقة الزينة، لكنك لا تشعر أنك انتقلت إلى وطن آخر.
بل تشعر أنك انتقلت من صفحة إلى صفحة من الكتاب نفسه.
كتاب اسمه: السعودية.
حتى العطر كان له حضور في هذه الحكاية.
العود، والمسك، والعنبر، والزعفران، والورد، والبخور، وخلطات الطيب التي كانت النساء يعرفن أسرارها؛ حتى إن لكل بيت أحيانًا رائحته التي تعرفها قبل أن ترى أهله.
وكانت المرأة قديمًا لا تحتاج إلى عشرات مستحضرات التجميل حتى تكون جميلة.
كحل في العين، وحناء في اليد، وذهب في العنق والمعصم، وثوب جميل، وشعر تعتني به، ورائحة طيب تبقى في المكان بعد رحيلها.
كانت تعرف أن الأناقة ليست بكثرة الأشياء، وإنما بحسن اختيارها.
وكانت الحناء أكثر من لون على اليد؛ كانت إعلانًا عن فرح.
والذهب أكثر من معدن ثمين؛ كان زينة وذكرى وهدية تنتقل من الأم إلى ابنتها.
والثوب أكثر من قطعة قماش؛ كان هوية تقول للناس: هذه ابنة هذا المكان.
حتى المرأة نفسها كانت تحفظ تفاصيل موروثها، وتتعلم من أمها وجدتها كيف تلبس، وكيف تتزين، وكيف تستقبل ضيفها، وكيف تكون جميلة دون أن تتخلى عن وقارها.
ولابد، واعذروني، من غزل بسيط.
فالمرأة السعودية لم تكن حافظة للموروث فحسب، بل كانت مصدر إلهام للشعراء، حتى صار جمالها حاضرًا في القصيدة والأغنية والحكاية الشعبية.
قال محسن الهزاني في وصف مبسم محبوبته:
«برقٍ تلألأ قلت: عزٍّ وجلال
أثره مبسم صاحبي وحسبة برق»
ولم يكن الشعراء يرون الجمال في الملامح وحدها، بل في الحركة والتفاصيل الصغيرة؛ حتى قال خالد عبدالرحمن في صورة تختصر لحظة من الغزل:
سارت و انا عيني تراقب خطاها
خطوه تسوق الخطوه بهون وركود
يوم حضرت غاب القمر من سماها
واللي بقى من نجومها ب قل ّ معدود
زين الوصايف والحسن اكتساها
شقرا وفيها من الحلا ماله حدود
لاعتني بنظره وبعد ما كفاها
أما الأمير الشاعر خالد الفيصل، فله في العين والرمش مساحة واسعة من الغزل، حتى جعل من العين جرحًا لا يبرأ.
الله أكبر كيف يجرحن العيون
كيف ما يبرى، كيف ما يبرى صويب العين أبد
أحسب إن الرمش لا سلهم حنون
وأثر رمش العين، أثر رمش العين ما ياوي لحد
الله أكبر كيف يجرحن العيون
كيف، كيف ما يبرى، كيف ما يبرى صويب العين أبد
أحسب إن الرمش لا سلهم حنون
وأثر رمش العين، أثر رمش العين ما ياوي لحد
وهكذا ظل الغزل في الشعر السعودي يلتقط تلك التفاصيل التي تأسر القلب: عين، ومبسم، ومشية، وحياء، وصوت، وحضور.
وكم من حكاية عشق قديمة بقيت في الذاكرة؛ لأن العشق فيها لم يكن مجرد إعجاب بجمال امرأة، بل كان تعلقًا ووفاءً وصبرًا حتى بعد الفقد، فتحولت قصص أصحابها إلى أشعار تتناقلها الأجيال.
ولعل أجمل ما في المرأة السعودية أن جمالها لا ينتهي عند ملامحها.
قد تراك العين جميلة، لكن الذي يأسر القلب حقًا هو طبعها وتربيتها وحياؤها وكرمها.
وما أجمل المرأة السعودية حين يكون جمالها ظاهرًا، وأخلاقها أعمق منه؛ كأنها كنز مكنون، لا يأخذ وصاله إلا من عرف قدره، وتعب في الوصول إليه، وأثبت أنه يستحقه.
فالجمال قد يلفت النظر من أول لحظة، أما حسن الطبع والتربية فهما اللذان يجعلان الإنسان يقول بعد سنوات: لقد أحسنت الاختيار.
واليوم، ونحن نعيش في زمن تغيرت فيه الملابس والعطور ووسائل التجميل، لا ينبغي أن ننسى تلك التفاصيل الصغيرة.
فالأمم لا تفقد ذاكرتها دفعة واحدة.
تبدأ الحكاية حين نستصغر التفاصيل.
نقول: هذا مجرد ثوب.
وهذا مجرد نقش.
وهذا مجرد عطر.
وهذه مجرد حلي.
ثم نكتشف بعد سنوات أننا فقدنا أشياء كانت تقول لنا من نحن.
لذلك، حين نرى امرأة سعودية اليوم ترتدي ثوبًا من تراث منطقتها، أو تضع حليًا قديمة، أو تعتني بنقشة حناء ورثتها من أمها، فهي لا ترتدي الماضي.
إنها تحمله إلى المستقبل.
من نجد إلى الحجاز، ومن الشرقية إلى الشمال، ومن عسير والباحة إلى جازان ونجران…
تختلف الأثواب، وتتغير الألوان، وتتعدد الطيوب، لكن المرأة السعودية بقيت في كل هذه الجهات تحمل شيئًا واحدًا:
جمال المكان في ملامحها، وذاكرة أهلها في زينتها، ووطنًا كاملًا في قلبها.
وهنا أدركت أن الموروث ليس شيئًا نضعه في المتاحف ثم نغلق عليه الأبواب.
الموروث حياة.
في ثوب امرأة، وفي رائحة عود، وفي نقش حناء، وفي قطعة ذهب، وفي يد أم تعلم ابنتها كيف تكون جميلة كما كانت جدتها.
وما أجمل وطنًا تتعدد فيه الوجوه، والأزياء، والألوان، والروائح…
ثم إذا اجتمعت كلها، قالت:
نحن مختلفون في التفاصيل، ولكننا أبناء وطن واحد.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.