كُتاب الرأي

المنطقة الجنوبية

المنطقة الجنوبية

بقلم: بدر بن سالم

ومن أجمل ما يميز المنطقة الجنوبيه أنها لا تمنحك جمالًا واحدًا…

ففي السودة، تقف الجبال شامخة، والارتفاع يمنح المكان هيبة خاصة، والهواء البارد يجعل الصيف مختلفًا تمامًا. وهناك، حين تنظر إلى أعماق الجبال والأودية، تدرك أن الطبيعة في عسير ليست مجرد منظر؛ إنها شخصية حاضرة في كل تفاصيل المكان.

وفي السودة تحديدًا، حين يهبط الضباب، وتتوارى القمم خلف السحاب، يصبح للمكان سحرٌ آخر، وكأن الجبل يستعد لاستقبال قصيدة، وكأن الطبيعة نفسها تقول ما عجزت الكلمات عن قوله.

ولعل أجمل ما قيل في هذا المشهد:

أنورت سودة عسير بطلعتك

وازهرت من وطيتك خدانها

اجتمع ورد الجنوب وبسمتك

والهوى هيمان في وديانها

ما حلا مس السحاب لوجنتك

والندى نشوان من ريحانها

هكذا هي عسير…

تجمع في مشهد واحد بين الجبل والسحاب، وبين الورد والندى، وبين جمال الطبيعة وجمال الإنسان.

ومن السودة، لا تنتهي الحكاية، بل تبدأ فصول أخرى…

في رجال ألمع، تأخذ الحكاية شكلًا مختلفًا؛ فهنا لا نتأمل الطبيعة وحدها، بل نتأمل تاريخًا عاش بين الجبال.

قريةٌ تحمل في مبانيها ذاكرة المكان، وفي أزقتها تاريخ الإنسان العسيري، وفي بيوتها الحجرية تفاصيل حياة امتدت عبر أجيال. تمشي بين مبانيها فتشعر أنك لا تزور مكانًا سياحيًا فحسب، بل تفتح صفحة من صفحات التاريخ.

ثم تعود إلى أبها…

فتجد شارع الفن، وقرية المفتاحة، والأسواق القديمة، والمقاهي التي امتلأت بالزوار، وتجد المدينة وهي تجمع بين أصالتها القديمة وروحها الجديدة.

وفي أبها، لا يكون الضباب مجرد حالة من حالات الطقس…

إنه جزء من هوية المدينة.

يأتيك من بين الجبال، يلامس الأشجار، يمر فوق الطرقات، ثم يستقر لحظات قبل أن ينقشع، تاركًا خلفه أرضًا ندية، وسماءً أقرب، وذاكرة لا تنسى.

ومن أبها إلى النماص…

تتغير الصورة مرة أخرى.

جبال شاهقة، وأودية عميقة، وسحب تمر فوق الرؤوس، وطرق تتلوى بين الجبال وكأنها مرسومة على حافة السماء.

النماص لها هدوء مختلف؛ مدينة تستطيع أن تجلس فيها طويلًا دون أن تشعر بالحاجة إلى شيء. يكفيك منظر الجبل، وبرودة الهواء، وصوت المطر إذا جاء، وتلك الغيمة التي تمر من أمامك ثم تختفي خلف القمة.

ثم نواصل الرحلة شمالًا قليلًا…

إلى الباحة.

وهنا تبدأ حكاية أخرى من حكايات الجمال السعودي.

الباحة ليست مجرد مدينة جبلية؛ إنها منطقة كاملة من الطبيعة المتنوعة، تتوزع فيها الجبال والغابات والأودية والقرى، وتظهر فيها أشجار العرعر كأنها جزء أصيل من هوية المكان.

وفي غابة رغدان، يصبح المشهد أكثر قربًا من القلب.

أشجار كثيفة، وضباب يمر بين الأغصان، وممرات تطل على الأودية، ونسيم بارد يجعل الإنسان ينسى أنه في جزيرة العرب.

هناك، قد تجلس دقائق طويلة ولا تقول شيئًا…

فالطبيعة تتكلم.

ومن الباحة إلى ذي عين، تصل إلى واحدة من أجمل القرى التراثية في المنطقة؛ قرية تقف على سفح الجبل، ببيوتها الحجرية، ومدرجاتها الزراعية، ومزارعها، ومياهها التي كانت ولا تزال جزءًا من قصة المكان.

وذي عين ليست مجرد قرية قديمة؛ إنها شاهد على قدرة الإنسان السعودي على أن يصنع من الجبل وطنًا، ومن الصخر بيتًا، ومن الماء حياة.

وحين يأتي الضباب إلى الباحة، لا يكون مجرد ظاهرة جوية…

إنه جزء من شخصية المكان.

ينزل على الجبال بهدوء، يمر بين الأشجار، يلامس الطرقات، ويجعل المسافر يشعر أنه دخل عالمًا آخر.

وربما لهذا أحب الناس عسير والباحة؛ لأنهما تمنحان الإنسان شيئًا افتقده كثيرًا في المدن الحديثة…

الهدوء.

هناك تستطيع أن تبتعد قليلًا عن صخب الحياة، أن تجلس أمام جبل، أو تحت شجرة، أو في مقهى يطل على الوادي، وتكتشف أن أجمل الرحلات ليست دائمًا تلك التي تملأها بالمواعيد والبرامج؛ أحيانًا أجمل رحلة هي التي تترك فيها الوقت يمضي دون أن تسأله إلى أين.

وهنا تكمن عظمة المملكة…

أنك تستطيع أن تنتقل من الرمال إلى السحاب، ومن الصحراء إلى الغابة، ومن الساحل إلى قمة الجبل، دون أن تغادر وطنك.

من الشرقية التي تركناها خلفنا، إلى الجنوب الذي يستقبلنا بالضباب…

تتسع الحكاية.

وكلما ظننا أننا عرفنا المملكة، اكتشفنا أنها تخبئ لنا وجهًا جديدًا.

وجهٌ تارةً يكون بحرًا…

وتارةً يكون صحراء…

وتارةً يكون نخلة…

وتارةً أخرى يكون جبلًا يلامس السحاب.

وهكذا تمضي بنا ٢٣ سبتمبر…

حكاية وطنٍ لا تنتهي، لأن الأماكن فيه أكثر من أن تختصرها الكلمات، ولأن كل منطقة تفتح لنا بابًا جديدًا من أبواب الجمال، وكل مدينة تترك في الذاكرة شيئًا لا يشبه سواها.

وفي عسير والباحة تحديدًا…

لا تحتاج أن تبحث عن الجمال.

الجمال هناك يبحث عنك.

كاتب رأي

 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.