كُتاب الرأي

حين يتناغم المجدافان

حين يتناغم المجدافان

بدر بن سالم 

في قاعة مركز تعارف للإرشاد الأسري، جمعني حديث جميل مع الدكتور ماجد المالكي والدكتورة فهدة الهنيدي حول الزواج، وكيف يمكن أن ينجح هذا المشروع الإنساني حين يفهم كل طرف طبيعة الآخر.
بدأت حديثي بمقولة أراها تختصر كثيرًا من تفاصيل الحياة الزوجية: الزواج كالقارب، له دفتان؛ فإذا حاول طرف واحد أن يجدّف وحده، ظل المجداف يدور في مكانه؛ مرة إلى اليمين مع الزوج، ومرة إلى اليسار مع الزوجة. أما الوصول إلى الشاطئ، فلا يكون إلا حين يتناغم المجدافان.
وأضاف الدكتور ماجد المالكي تشبيهًا جميلًا، توقف فيه عند معنى التنازلات، فالحياة الزوجية لا تقوم على أن ينتصر أحد الطرفين في كل موقف، وإنما على أن يتنازل كل طرف أحيانًا ليبقى المشروع الأكبر قائمًا.
فالزواج ليس معركة لإثبات من صاحب الرأي الصحيح، بل شراكة تحتاج إلى أن يعرف كل طرف متى يتمسك، ومتى يتجاوز، ومتى يقول: لا بأس، هذه المرة سأكون أنا الأقرب إلى منتصف الطريق.
وأشارت الدكتورة فهدة الهنيدي إلى مبادرة جميلة يقوم بها المركز، بإشراف الدكتور سعود بن صالح المصيبيح وأعضاء المركز، تتمثل في إقامة دورة عن الزواج، وبسعر رمزي، من خلال تطبيق «صوتي».
وأحسب أن مثل هذه المبادرات مهمة؛ لأنها لا تنتظر وصول الخلاف إلى نهايته، وإنما تحاول أن تضع بين الزوجين صوتًا ثالثًا يقرب وجهات النظر، ويمنح كل طرف فرصة لفهم الآخر قبل أن تتحول الاختلافات الصغيرة إلى مسافات كبيرة.
وقد تتزوج فتاة وهي تحمل في خيالها صورة رسمتها المسلسلات؛ كلمات دافئة، ومشاعر لا تنقطع، ورجل يقول لها كل صباح: أحبك.
ثم تكتشف بعد الزواج أنها أمام رجل كالصخر، جلمود لا يجيد التعبير، وربما يحبها كثيرًا، لكنه لا يعرف كيف ينطق كلمة «أحبك».
وفي الجهة الأخرى، قد يتزوج رجل امرأة اكتشف بعد فترة أنها تحب الخروج مع زميلاتها، والتنزه، وقضاء بعض الوقت بعيدًا عن المنزل، فيشعر أنها لا تشاركه الحياة بالطريقة التي كان يتخيلها.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل أنا كامل الصفات الجميلة؟ وهل ليس في شخصيتي عيب يمكن أن يخجل منه شريكي؟
كل واحد منا يحمل شيئًا جميلًا، ويحمل في المقابل شيئًا يحتاج إلى إصلاح أو احتمال أو تفهّم.
ولهذا، فإن نجاح الزواج لا يعني أن تجد إنسانًا بلا عيوب، فذلك الإنسان غير موجود، وإنما أن تجد إنسانًا تستطيع معه أن تكبّر الجميل، وتصغّر العيب، وتتجاوز ما يمكن تجاوزه.
التجاوز ليس ضعفًا، والتنازل ليس دائمًا هزيمة، والصمت عن بعض التفاصيل ليس انكسارًا.
أحيانًا يكون التجاوز هو أعظم انتصار للعلاقة.
فلا تجعل موقفًا عابرًا يهدم قصة جميلة، ولا تجعل عيبًا صغيرًا يحجب عنك مئات الصفات الجميلة.
فالزواج في النهاية ليس أن تجد شخصًا كاملًا، وإنما أن تبني مع شخص غير كامل حياة تستحق أن تكتمل.
وحين يتناغم المجدافان، لا يعود مهمًا أيهما دفع أكثر؛ المهم أن القارب وصل.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.