كُتاب الرأي

✍️ الشعر.. رؤية أخرى للعالم والأشياء

✍️ الشعر.. رؤية أخرى للعالم والأشياء

بقلم/ د.عبدالإله محمد جدع

✔️ الشعر ليس وزنا وقافية فحسب، وإنما هو طريقة خاصة في رؤية العالم وإعادة تشكيله باللغة.. فالوزن يمنح الكلام موسيقاه، والقافية تشد بنيته غير أن الشعر يبدأ حقا حين تتحول التجربة إلى صورة ويصبح الإحساس رؤية تتجاوز ظاهر الأشياء.. فخصوصية الشاعر ليست في أنه يرى ما لا يراه الناس، ولكن في أنه يرى المألوف بعين مختلفة.. فالجميع يرى الغروب والليل والبيت المهجور، لكن الشاعر يكتشف بينها وبين النفس علاقات خفية، فتغدو الصورة الشعرية وسيلة للفهم والكشف لا مجرد زينة في الكلام.
وقد وسعت الدراسات النقدية الحديثة هذا التصور، فالشعرية المعرفية تنظر إلى الاستعارة بوصفها طريقة في بناء المعنى وربط المحسوس بالمجرد.. كما ترى اتجاهات أخرى أن القصيدة لا تنقل واقعا جاهزا، بل تنشئ عالما خاصا تتفاعل فيه اللغة والإيقاع والذاكرة والصورة.
✔️ ولذلك لا يقتصر الشعر على التعبير عن تجربة فردية.. فالشاعر يبدأ من ذاته، ثم يمنح تجربته شكلا يجعلها قابلة لتجاوز حدودها الخاصة، فتتحول الوحدة والحب والخوف والفقد من مشاعر شخصية إلى خبرة إنسانية أوسع.
كما اتسع حضور الشعر خارج الصفحة مع صعود الشعر المنطوق والأدائي، فعاد الصوت والنبرة ولغة الجسد إلى قلب التجربة، وأصبح الإلقاء جزءا من بناء المعنى.. وبذلك استعاد الشعر شيئا من جذوره الأولى حين ارتبط بالصوت والإنشاد قبل أن يستقر في الكتابة..
كما أن اتساع أجناس الشعر وأشكاله لا يعني أن كل ابتعاد عن موسيقاه يمثل تقدما بالضرورة.. فالموسيقى أوسع من الوزن، والتجديد أعمق من ملاحقة التراكيب الحديثة لذاتها.. وقد تفقد القصيدة شيئا من روحها حين تنشغل بإظهار حداثتها، أو حين يصبح التركيب غاية بعد أن كان وسيلة.. وليس المطلوب رد الشعر إلى قالب واحد، وإنما أن يظل – أيا كان شكله – محتفظا بذلك النبض الداخلي الذي يجعل اللغة شعرا لا مجرد كلام مختلف الهيئة.
✔️ ومن ثم تغيرت وظيفة النقد أيضا، فلم يعد دوره محصورا في عد الصور والأوزان أو إطلاق الأحكام..
و صار يبحث في الكيفية التي تصنع بها القصيدة أثرها، وفي الصلة بين اللغة والتجربة.
وهنا يلتقي الشاعر والناقد.. فالشاعر يرى العالم من خلال اللغة، والناقد يكشف كيف صنعت اللغة هذه الرؤية.. وبين الرؤيتين يولد الأدب.
فالشعر لا يعيش لأنه يجمع ألفاظا جميلة أو يحفظ عواطف مضت، وإنما لأنه يقاوم الاعتياد ويفتح الأشياء على احتمالات جديدة.. وما إن نظن أننا عرفنا الحب والموت والوطن والوحدة، حتى تأتي قصيدة تفتح في المألوف نافذة لم نرها من قبل.
وهنا تبدأ فضيلة الشعر..حين يمنح الأشياء حياة أخرى ويمنح اللغة ذاكرة أخرى ويمنح الإنسان، ولو للحظة، عينين إضافيتين يرى بهما العالم.

كاتب رأي 

 

 

الدكتور / عبدالإله محمد جدع

أديب وشاعر وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.