كُتاب الرأي

✍️ جدة..” نوستالجيا” المكان وهوية الإنسان

✍️ جدة..” نوستالجيا” المكان وهوية الإنسان

بقلم/ د.عبدالاله محمد جدع

✔️ ” جدة “مدينة لانختصرها في البحر، ولا حكاية تروى من شاطئها فحسب.. إنها سيرة حضارة تشكّلت بين التاريخ والإنسان وجغرافية المكان، حتى صار لكل زاوية فيها معنى ولكل بيت قديم ذاكرة ولكل زقاق حكاية..وفي جدة التاريخية، لا تبدو البيوت التراثية مجرد أبنية مضى عليها الزمن لكنها شواهد حيّة على ذائقة عرفت كيف تمنح الحجر روحا فبيوتها المشيّدة بالأحجار المنقبيّة، ورواشينها المهيبة ونقوشها وزخارفها البديعة، صنعت طرازا معماريا لا يكتفي بالجمال،ولكن يعبّر عن الخصوصية والهوية وطريقة حياة كاملة..كما أن حاراتها العتيقة وأزقّتها الضيقة لم تكن ممرات صامتة وإنما مسرحا لحياة نابضة ،فثمة أبواب متجاورة، وقلوب متقاربة، وأسواق تعج بالحركة، ولهجات تتقاطع فيها أصوات القادمين من جهات شتى.
ومن هنا يمكن فهم سر العبارة التي ارتبطت بها طويلًا: “جدة غير”..فمنذ قرون، كانت جدة ملتقى للتجارة، وبوابة للبحر، وممرا للحج..استقبلت القوافل والبحّارة والحجاج والتجار فكوّنت عبر الزمن شخصية واسعة الأفق مرنة في انفتاحها، راسخة في أصالتها. ولعل هذا من أكثر ما يميزها فقد عرفت كيف تحتضن الاختلاف من غير أن تفقد هويتها، وكيف تنفتح على العالم من غير أن تتخلى عن ملامحها وأصالتها.

✔️ أما أهلها، أو “الجدادوة” كما يقال في اللهجة الحجازية، فهم امتداد طبيعي لهذه المدينة وكأنهم ورثوا من رواشينها أناقة الحضور، ومن حاراتها دفء القرب ومن أسواقها حيوية الروح ومن بحرها سعة الصدر ففي حديثهم خفة لا تجرح، وفي تعاملهم لطف لا يتكلّف وفي استقبالهم كرم يجعل الضيف يشعر بألفة المكان منذ اللحظة الأولى..لا يلفتون النظر بالصخب وإنما بالتفاصيل التي تظهر في ذوق العبارة وأناقة المجاملة وحسن المعشر، والقدرة العجيبة على الجمع بين البساطة والرقي. وكأن جدة، عبر أجيالها، صاغت لأهلها طابعا خاصا لا يكتسب بسهولة، ولا يقلد مهما حاول الساخرون العابثون بلهجتها! ولهذا حُقّ لنا أن نقول: “جدة غير” فنحن لا نصف مدينة جميلة فحسب لكننا نتحدث عن مكان صنعته التجارة وصقله السفر، وباركه مرور الحجاج وزيّنه البحر، وحفظت ذاكرته الرواشين والحارات والأزقة، وحين نقول إن للجدادوة طابعا خاصا، فلأنهم يحملون في ملامحهم شيئًا من جدة كلها: أصالة بلا انغلاق، ورقيًا بلا تكلف، ودفئا لا يحتاج إلى تعريف، فجدة ليست مجرد مكان يُزار إنما ذاكرة تُعاش، وروح تُعرف من أول لقاء، وحنين يبدأ أحيانًا قبل أن تغادرها.. ولذلك، مهما طال الغياب عنها، يبقى في القلب شيء منها.. وشيء يشتاق إليها.

كاتب رأي 

 

الدكتور / عبدالإله محمد جدع

أديب وشاعر وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.