✍️ بين وهم الاستقلال وكلفة الانفصال

✍️ بين وهم الاستقلال وكلفة الانفصال
حين تزيّن الشعارات هدم البيوت
بقلم/ د.عبدالاله محمد جدع
✔️ تتردد أرقام كثيرة عن تصاعد الطلاق، غير أن غياب بيانات حديثة ودقيقة يجعل تقدير حجم المشكلة أمرًا يحتاج إلى حذر. ومع ذلك، فإن غياب الرقم لا يلغي آثار الظاهرة النفسية والأسرية والاجتماعية، خصوصًا مع سهولة التحريض على الانفصال وتصوير الطلاق طريقًا سريعًا إلى الحرية.
كنت قد تناولت هذه القضية منذ سنوات في كتابي الأول “خفايا الحب والزواج” الذي صدرت منه ثلاث طبعات، وتضمن دراسة استبيانية عن الطلاق وآثاره والحياة بعده، وكانت موجهة إلى الجنسين، وأسهمت صحيفة عكاظ آنذاك في نشرها.
وقد أظهرت الإجابات أن كثيرا من المشاركات، ولا سيما النساء، أكدن أنهن لو عدن إلى ما قبل الطلاق لما كررن الأخطاء نفسها، وأن الحياة بعد الانفصال لم تكن بالسهولة التي صورتها بعض الأصوات، مع إدراك متأخر لقيمة الاستقرار الأسري..
ولا يعني ذلك الدعوة إلى البقاء في علاقة يسودها العنف أو الإهانة، فالطلاق قد يكون ضرورة حين تستحيل العشرة، لكنه ينبغي أن يظل حلًا أخيرًا، لا قرارًا متعجلًا أو استجابة لتحريض من لا يعرف حقيقة البيت ولا يتحمل نتائج انهياره.
✔️ تكامل لا تنافس
العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تكامل، لا ساحة لإثبات من الأقوى أو الأكثر قدرة على الاستغناء. والتكامل لا يلغي شخصية المرأة أو حقوقها، كما لا يمنح الرجل حق التسلط، بل يعني أن يعرف كل طرف مسؤوليته وأن يدرك الزوجان أن نجاح أحدهما مكسب للآخر..فمن أهم ما يبحث عنه الرجل داخل بيته الاحترام والتقدير، وحين يجدهما يكون أقدر على منح زوجته الأمان والاهتمام والاحتواء. والمرأة بدورها تحتاج إلى الأمان والوفاء والكلمة الطيبة، فالعلاقة السليمة تبادل للمشاعر والحقوق..
ويعد عالم النفس والباحث في العلاقات الزوجية” جون غوتمان” الاحتقار بما يحمله من سخرية وإهانة وتعالٍ من أخطر المؤشرات التي تهدد استمرار الزواج، ويرى أن التقدير والاحترام المتبادل من أهم وسائل حماية العلاقة. فالبيوت لا تهدمها الخلافات وحدها، وإنما الأسلوب الذي تدار به.
وتشير دراسات نفسية إلى أن طلاق الوالدين يرتبط بارتفاع مخاطر بعض المشكلات النفسية والسلوكية لدى الأبناء، وأن استمرار النزاع بعد الانفصال يفاقمها، مما يؤكد أن الطلاق ليس حدثًا عابرًا ينتهي بتوقيع ورقة.
✔️ وهم الاستقلال
المشكلة ليست في تعليم المرأة أو عملها أو استقلالها المالي، وإنما في الخطاب النسوي المتطرف الذي حوّل الاستقلال من قدرة على إدارة الحياة بكرامة إلى وهم الاستغناء عن الرجل والأسرة..فقد صوّر الزواج قيدا، والأمومة عبئا ومراعاة الزوج ضعفًا والتنازل المتبادل هزيمة، وقدّم الرجل في صورة الخصم حتى دخل الشك والخوف إلى العلاقة قبل أن تبدأ.
وقد دفع الجيل ثمن هذا التحريض فأصبح بعض الرجال أكثر خوفًا من الزواج، وبعض النساء أكثر قلقًا من فقدان حريتهن، وتراجع معنى السكن والمودة أمام ثقافة الصراع والاستغناء.
ولا يتحمل هذا الخطاب وحده مسؤولية العزوف عن الزواج أو انهيار الأسر، فهناك غلاء المعيشة والسكن، وارتفاع التكاليف، والبطالة، وضعف الاستعداد النفسي، والتوقعات الخيالية التي صنعتها” وسائل التواصل”. لكن لا يجوز تجاهل أثر خطاب يستخف بالزواج ويزيّن الانفصال.
✔️ المجتمع يدفع الثمن
الطلاق لا يخص الزوجين وحدهما، والعزوف عن الزواج ليس قرارًا فرديًا معزولًا، فعندما تضعف الأسرة تتأثر تربية الأبناء، وتتراجع الثقة في الارتباط، ويزداد الشعور بالوحدة، وتضعف شبكات التكافل.
٠ومن الخطأ تصوير المطلقة دائمًا بوصفها امرأة تحررت وبدأت حياة وردية كما أنه من الظلم تحميلها وحدها مسؤولية الانفصال.. لكن تجميل الطلاق وإخفاء كلفته قد يدفع بعض النساء إلى قرار مصيري، ثم يتركهن في مواجهة تبعات لم يذكرها المحرضون.
إن حماية الأسرة لا تكون بإلغاء حقوق المرأة أو إعفاء الرجل من مسؤولياته، وإنما بإعادة العلاقة إلى أصلها..رجل يمنح الأمان ويتحمل المسؤولية، وامرأة تمنح التقدير والمودة والحنان، وكلاهما يحفظ كرامة الآخر.
فالبيوت قد تنهار حين تصبح الشعارات أعلى من الحكمة، وينشغل كل طرف بإثبات استقلاله، حتى يكتشف متأخرا أن كلفة الانفصال أكبر من بريق الشعارات
كاتب رأي


