كُتاب الرأي

✍️ العقوق الصامت.. سيكولوجيا الوفرة وغياب الامتنان

✍️ العقوق الصامت.. سيكولوجيا الوفرة وغياب الامتنان

بقلم/ د.عبدالاله محمد جدع

✔️ إن تحولات التربية المعاصرة ليست انتقالا آليا من الشدة إلى اللين، وإنما هي انعكاس لتحول بنيوي عميق في طبيعة الحياة الإنسانية وقيمها حيث نشأ صراع صامت بين جيل الأمس الذي تشكل وعيه عبر سيكولوجيا الندرة، وجيل اليوم الذي يعيش داخل ثقافة الوفرة المادية والتقنية..ومن رحِم هذه المفارقة ولدت ظاهرة سلوكية معقدة يمكن تسميتها بـ”العقوق الصامت” وهو ليس تمردا فجّا كما في صور العقوق التقليدي إنما حالة من البرود الشعوري وغياب الحنان وضعف الامتنان الحقيقي تجاه الوالدين.
✔️ ولم تكن التربية القديمة مثالية في جميع أبعادها فرغم أنها صنعت الانضباط والاعتماد على النفس تحت وطأة سلطة أبوية واضحة وضيق خيارات مادية، إلا أنها خلفت أحيانا أبناء منضبطين من الخارج، مثقلين بالصمت أو الخوف من الداخل.
وفي المقابل، منحت التربية الحديثة الأبناء مساحات واسعة من الحرية وإمكانات غير مسبوقة، لكنها سقطت أحيانا في فخ الحماية المفرطة حتى تحول العطاء الوالدي المستمر من منحة تستوجب الشكر إلى حق مكتسب لا ترى فيه فضيلة.
✔️ وتلك هي المفارقة الكبرى فالوفرة لا تصنع الامتنان دائما كما أن الشدة لا تصنع الرجولة غالبا.. ومن المنظور النفسي والفلسفي تظل التربية الأقرب إلى النجاح تلك التي تجمع بين الحزم والدفء العاطفي في إطار متوازن فالقسوة السلطوية تفرض الطاعة لكنها تسحق الاستقلال النفسي، والتساهل المفرط يمنح الحرية لكنه يضعف الانضباط الذاتي..فالتربية في جوهرها ليست كسر شخصية النشء ولا تركه بلا بوصلة، وإنما هي تهذيب واع للحرية إذ لا ينضج الإنسان مسؤولا إذا عاش بلا حدود، كما لا يزدهر إذا عاش بلا صوت يعبر عنه.
✔️ وفي تقديري، إن جيل اليوم يحتاج إلى إدراك أن الوالدين مظلة أمان وتوجيه، لا مجرد مقدمي خدمات لرفاهيته، ولا قضاة يتربصون بأخطائه..فقد تشابكت الأزمة الحالية مع فجوة تقنية واجتماعية ولغوية.. إذ يعيش الأبناء في عالم رقمي متسارع ومنفتح عابر للقارات، بينما ينتمي كثير من الآباء إلى زمن واقعي أبطأ وأكثر بساطة.
وحين يغيب الجسر بين هذين العالمين يتحول غياب الحوار إلى سوء فهم مزمن، ثم إلى غربة عاطفية تنتهي بذلك العقوق الصامت حيث يتواجد الأبناء مع أهلهم في المكان ذاته، لكنهم ينفصلون عنهم شعوريا وروحيا.
✔️ والحل العملي لهذه المعضلة الجيلية لا يكمن في النكوص الكامل إلى الماضي، ولا في الاستسلام المطلق لزخرف الحاضر وتحدياته، وإنما في صياغة هندسة تربوية واعية تدمج مكتسبات الزمنين معا ..فنأخذ من التربية القديمة قيم الجدية، وتحمل المسؤولية، واحترام التراتبية الأسرية، وإدراك قيمة النعمة، ونستعير من التربية الحديثة أدوات الحوار، وفهم الطبيعة النفسية للنشء، وتقبل الاختلاف، ومراعاة سياق العصر. وبذلك تكون المحصلة حسما عادلا، وحنانا واعيا، وحوارا مرنا يحفظ هيبة الوالدين دون أن يسحق شخصية الأبناء،،

كاتب رأي 

 

 

الدكتور / عبدالإله محمد جدع

أديب وشاعر وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.