سدنة الفكر وسلاطين المحتوى

سدنة الفكر وسلاطين المحتوى
محمد الفريدي
لم تعد الساحة الثقافية في المملكة كما كانت من قبل؛ فالتحول التقني المتسارع، واتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وظهور منصات رقمية تتوالد بالعشرات في رحم الفضاء الإلكتروني بين عشية وضحاها، أعاد رسم خريطة التأثير داخل مجتمعنا بصورة جذرية.
وهذا الواقع المتسارع يفرض علينا اليوم الإجابة عن سؤال مصيري لا يقبل التأجيل: من يمسك بزمام الوعي العام ويقود دفة العقول؟
وهل ما زال المثقف السعودي الحارس الأمين لقلاع المعرفة، يحتفظ بهالته ومكانته التاريخية، أم أن صناع المحتوى الرقمي، بخفتهم وجاذبيتهم، انتزعوا منه عرش الكلمة، وأصبحوا أصحاب التأثير الأكبر والوصول الأسرع؟
في الماضي القريب، كان المثقف يحظى بهيبة واضحة ومساحة شاسعة في تشكيل الرأي العام وتوجيه ذائقة المجتمع، وكان الكاتب والشاعر والباحث والأستاذ الجامعي يمثلون المرجعية العليا في كثير من القضايا الفكرية والاجتماعية، ويترقب الناس ما تخطه أقلامهم أو تنطق به ألسنتهم بشغف كبير.
وكانت الصحف والمجلات الورقية والكتب والندوات والبرامج الثقافية هي المنافذ الوحيدة التي تتداول عبرها الأفكار، وتُصنع من خلالها الرؤى.
والوصول إلى المعلومة لم يكن متاحا كما هو اليوم بنقرة زر، فقد كانت الكلمة المطبوعة والمسموعة تملك هيبتها وسلطتها المعنوية والأخلاقية.
وكان لصاحبها وزنه ومكانته المرموقة لعمق علمه، وغزارة إنتاجه، ونضج أطروحته التي تُطهى على نار هادئة، في زمن لم يكن فيه السبق والسرعة يسيطران على الساحة الثقافية بالصورة التي نراها اليوم.
أما اليوم، فقد تبدلت الملامح وانقلبت الموازين بصورة متسارعة، فأصبحت هواتفنا المحمولة المنصة الأولى، وغدت منصات التواصل الاجتماعي الملاذ المفضل لعقولنا.
وصارت المقاطع المرئية القصيرة اللغة الأكثر حضورا ورواجا، فيما تحولت الخوارزميات الذكية إلى قوة خفية تقرر ما يصل إلينا وما يتوارى عن الأنظار.
وفي هذا الواقع الرقمي الجديد، برز صناع المحتوى باعتبارهم من أبرز الموجهين في تشكيل الأولويات العامة وتوجيه بوصلة المتابعين.
وباتوا قادرين، بفضل فهمهم لآليات المنصات وسرعة تفاعلهم، على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات معدودة وصناعة الرأي العام.
بينما بقي الكتاب العلمي الرصين والمقال الفكري العميق، اللذان استغرقا سنوات أو ساعات من البحث والتدقيق والصياغة، خارج دائرة الضوء، رغم قيمتهما المعرفية الكبيرة.
ولا يعني هذا التفوق بأي حال من الأحوال أن صناع المحتوى أكثر علما أو أعمق ثقافة من المثقفين التقليديين، فالمقارنة هنا لا تتعلق بحجم المخزون المعرفي، وإنما بسرعة الوصول إلى الناس والتأثير في عقولهم.
فالتأثير في العصر الرقمي لم يعد يُقاس بما يمتلكه المثقف من معلومات ونظريات يختزنها في عقله، وإنما بقدرته على تقديمها في قوالب بصرية وتعبيرية تفاعلية تجذب المتلقين وتستحوذ على انتباههم وسط سيل المشتتات.
ولهذا السبب تحديدا، أصبح كثير من الشباب يهرعون نحو الحسابات الرقمية السريعة، وتخلوا عن قراءة المجلدات الضخمة والمقالات الطويلة.
ولعل أبرز ما يميز صناع المحتوى ويُرسخ نفوذهم أنهم فهموا قواعد اللعبة، وأدركوا طبيعة العصر الجديد ولغته بدقة؛ فهم يتحدثون بلغة سهلة ومباشرة، ويختصرون الرسائل المعقدة.
ويستخدمون الصورة والصوت والمؤثرات البصرية بذكاء، ويتفاعلون مع متابعيهم بصورة حية ومباشرة، ويعرفون ما يريده الناس في كل لحظة.
وقد منحتهم هذه المرونة مساحة واسعة من الحضور، وجعلتهم قريبين من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.
في حين ما زال بعض المثقفين يعتمدون الأدوات والوسائل ذاتها التي كانت ناجحة ومؤثرة قبل عقود من الزمن؛ فما زالت اللغة المعقدة الغارقة في المصطلحات، والأسلوب الأكاديمي النخبوي المغلق، والمنابر التقليدية الفوقية، تشكل جزءا أساسيا من وسائل تواصلهم مع المجتمع.
غير أن طبيعة المتلقين وتركيبتهم النفسية والمعرفية قد تغيرت؛ فالناس اليوم يبحثون عن المعلومة السريعة الواضحة، والطرح المباشر المشوّق، والأسلوب الذكي الذي يجمع بين الفائدة العميقة والإيجاز الرشيق، دون أن يفقد المحتوى قيمته ورصانته.
وهنا تبرز الأزمة الحقيقية التي لا تكمن في الناس الذين يتبعون شغفهم، كما لا تكمن في التقنية التي تتقدم بسرعة مذهلة، وإنما في عدم مواكبة بعض نخبنا الثقافية للتحولات المتسارعة التي تشهدها المملكة والعالم.
فكل عصر يفرض أدواته وحتمياته، ومن لا يتقن استخدام لغة عصره والتعامل مع وسائله يبتعد عن دائرة التأثير الفعلي، مهما كانت قيمة ما يقدمه من فكر وعلم.
ومع ذلك، من الخطأ الاعتقاد بأن زمن المثقفين قد انتهى أو شارف على الزوال؛ فالمجتمع السعودي بطبيعته وتكوينه لا يمكن أن يستغني عن أصحاب الفكر الرصين والمعرفة العميقة.
إنّ دورهم الأساسي يتجاوز مجرد استعراض المعلومات ونقل البيانات إلى تفسير الظواهر وتفكيكها، وتحليل التحولات في سياقاتها التاريخية والاجتماعية لبناء نضج راسخ؛ في حين أن المحتوى السريع قد يجذب الانتباه مؤقتا، لكنه يعجز عن صناعة رؤية استراتيجية شاملة أو تأسيس فكر صلب.
فمجتمعنا اليوم يحتاج بشدة إلى من يشرح الظواهر ويقرأ التحولات بعمق، ويناقش القضايا الكبرى بعقلانية، ويقدم رؤى متزنة بعيدة عن الانفعال أو الإثارة لطلب الشهرة؛ وهذه المهمة النبيلة لا تزال مرتبطة بالمثقف الحقيقي وحده، مهما تغيرت الوسائل وتطورت المنصات.
ومن الملاحظ أيضا كظاهرة إيجابية في الفضاء الرقمي، أن كثيرا من صناع المحتوى لم يعودوا يقتصرون على مجالات الترفيه الخفيف أو تفاصيل الحياة اليومية، وتجاوزوا ذلك ليدخلوا بذكاء إلى ميادين الثقافة والاقتصاد والتعليم والتاريخ والتنمية.
وأصبح بعضهم يقدم وجبات معرفية دسمة ومعلومات جيدة بأسلوب مبسط وممتع، وهو ما أكسبهم ثقة واحترام شريحة واسعة من المتابعين، وهذا يؤكد بالدليل القاطع أن المشكلة ليست في نوعية المنصات الرقمية، وإنما في طريقة استخدامها وتطويعها لخدمة الثقافة والفكرة.
وبعض هؤلاء الصناع استطاعوا أن يقدموا المعرفة بصورة أكثر قربا من قلوب الناس وعقولهم؛ لأنهم أدركوا أن تبسيط الفكرة المعقدة لا يعني إضعافها أو تمييعها وإنما يمثل عبقريتها.
وإنّ الوصول إليهم يحتاج إلى فهم عميق لاهتماماتهم ولغتهم وأساليب تفاعلهم، ولذلك نجحوا في كسر الحواجز العاجية التي كانت تفصل المعرفة عنهم لقرون طويلة.
وفي المقابل، ما زال هناك من يظن أن قيمة الفكرة تكمن في تعقيدها وغموضها، وأن الأسلوب البسيط يقلل من مكانة الكاتب أو الباحث، بينما تؤكد الشواهد أن أعظم الأفكار هي التي تستطيع الوصول إلى أكبر عدد من الناس، دون أن تفقد عمقها ورصانتها.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يؤرقنا لم يعد يتلخص في ما إذا كان صانع المحتوى أقوى من المثقف السعودي، وإنما يدور حول مدى قدرته على تطوير أدواته وتجديد وسائله بما يتناسب مع معطيات هذا العصر.
لأن التأثير الحقيقي لا يرتبط بنوع المهنة أو المسمى، وإنما بالقدرة على التواصل الفعال، وفهم طبيعة المتلقين، وتقديم المعرفة بطريقة تلائم البيئة الرقمية وتواكب إيقاعها المتسارع.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى نموذج جديد يجمع بين الثقافة العميقة والمهارة الإعلامية، نموذج لا يتخلى عن العمق الفكري الرصين، ولا يرفض التقنية أو يتعالى عليها، وإنما يوظفها بذكاء لخدمة المعرفة ونشر التنوير.
فالكاتب الذي يعرف كيف يكتب مقالا جيدا، ويملك في الوقت نفسه القدرة على تقديم مقطع قصير مؤثر أو إدارة حوار رقمي جذاب، سيكون بلا شك أكثر قدرة على إيصال رسالته وتحقيق الأثر الفعلي من كاتب ينعزل ويكتفي بالكتابة في دائرة ضيقة مغلقة.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المنصات الرقمية ليست عدوة للثقافة أو مهددة للفكر، وإنما هي وسيلة جديدة وساحة رحبة لنشرها وتعميمها، والفرق بين النجاح والإخفاق يكمن في طريقة الاستفادة منها والجسارة في اقتحامها.
فكما غيّر اختراع الطباعة مسار المعرفة وحرّرها قبل قرون، تغيّر المنصات الرقمية اليوم أساليب إنتاجها وتداولها بين البشر، ومن الطبيعي والبديهي أن تتغير معها أدوات المثقف وتتطور أساليبه للتعبير عن ذاته ورسالته.
وفي المملكة، تشهد الساحة الثقافية والإعلامية تطورا متسارعا غير مسبوق، برزت معه فرصة تاريخية أمام المثقفين لإعادة حضورهم واستعادة زمام المبادرة، واستثمار الدعم الكبير الذي يحظى به القطاع الثقافي، واتساع آفاق المبادرات والفعاليات والمنصات الوطنية الطموحة.
فالناس متعطشون للمعرفة ، والاهتمام بالثقافة يتزايد، وما ينقصنا هو تقديم هذا المحتوى العميق بصورة تتناسب مع إيقاع العصر الرقمي وجاذبيته.
ولا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يتحول هذا الأمر إلى منافسة إقصائية أو معركة استئصالية بين المثقف وصانع المحتوى، لأن كليهما يستطيع أن يؤدي دورا إيجابيا وبناء في رفعة المجتمع إذا أحسن استخدام أدواته وفهم رسالته.
فالمجتمع يحتاج إلى المعرفة في أقصى عمقها كما يحتاج إلى الوسيلة الذكية التي تنقلها إليه، ويحتاج إلى الفكر الرصين كما يحتاج إلى من يجعله قريبا ومحببا إلى نفوس الناس.
إن المستقبل المشرق سيكون حتما من نصيب من ينجح في الجمع بين المضمون القوي والأسلوب الجذاب، وبين المعرفة العميقة والانتشار الواسع.
فالمحتوى الذي يخلو من القيمة الفكرية لن يصمد طويلا أمام وعي الناس وسرعان ما يتلاشى، كما أن المعرفة التي تبقى حبيسة الكتب والقاعات المغلقة لن تحقق أثرها المنشود في بناء المجتمع.
لهذا فإن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة نظر شاملة وجريئة في مفهوم المثقف نفسه، ليصبح أكثر حضورا وتأثيرا في الفضاء الرقمي، وأكثر قدرة على مخاطبة مختلف فئات المجتمع بلغة مرنة، دون أن يتنازل عن رسالته السامية أو قيمته العلمية.
فالمعرفة حين تجد طريقها السلس إلى الناس تتحول إلى قوة حقيقية تبني العقل، وتصنع الفارق الفعلي، وتسهم في تقدم المجتمع ورفعته، أما إذا بقيت بعيدة عنه فإنها تفقد كثيرا من أثرها وجدواها مهما بلغت جودتها وعمقها.
وقضيتنا ليست قضية انتصار طرف على آخر أو إقصاء مدرسة لأخرى، وإنما تتعلق بقدرة الجميع على خدمة مجتمعنا وبلادنا والارتقاء بهما كل من موقعه، فالمثقف السعودي وصانع المحتوى ليسا خصمين، وإنما شريكان أساسيان في صناعة وعي مجتمعنا إذا اجتمع عمق الفكرة مع حسن العرض، وأصالة المضمون مع مهارة الإيصال.
لأن التأثير الحقيقي والدائم لا يصنعه الانتشار الأعمى وحده، ولا المعرفة المكبوتة وحدها، وإنما يصنعه اللقاء الخلاق والتعانق الأبدي بينهما على شاشة العصر، ليتحول العمق الفكري إلى رسالة حية تلامس الوجدان، وتصبح مهارة العرض أداة عصرية تضمن وصول الأصالة إلى أوسع مدى.




لا حرمنا الله من إبداعك ، دمت لنا منارة أشعاع فكري نستمد منها النور الذي يجلي الظلام والروح المتجددة الخلاقة التي تساير التحولات الرقمية وتواكب رؤية ٢٠٣٠
أستاذي القدير محمد الفريدي، مقال ثري وعميق كعادتك. ولعل ما يكتمل به هذا الطرح أن المستقبل لن يكون للمثقف وحده ولا لصانع المحتوى وحده، بل لمن يحسن تحويل المعرفة إلى أثر، والفكرة إلى وعي، والوعي إلى سلوك. فالقيمة الحقيقية ليست في كثرة الوصول، وإنما في جودة ما يبقى في العقول بعد أن يغادر المحتوى الشاشات. كل التقدير والإجلال لكم. 🌹
قراءة ناضجة للمشهد الثقافي، فالمستقبل لمن يجمع بين الفكر الرصين وأدوات العصر.