نُصنع كما يُختار لنا

نُصنع كما يُختار لنا
بقلم: محمد الفريدي
لم أعد أستغرب حين أرى الناس يتزاحمون على مطعم معين، ثم يهجرونه بعد أشهر إلى مطعم آخر، ولا أتعجب عندما أرى مؤلفا مغمورا يتحول بين ليلة وضحاها إلى حديث المجالس، ثم يتوارى بعد أشهر قليلة كأنه لم يمر يوما على رفوف القراء.
ولا أستغرب أيضاً حين أرى الألوان نفسها تملأ البيوت، والملابس نفسها تملأ الأسواق، والعبارات نفسها تتكرر على الألسنة، حتى خُيّل إليّ أن الناس يستقون ذائقتهم من مصدر واحد.
وإنما أستغرب أن كثيرين منا لا يزالون يعتقدون أن هذه الاختيارات نابعة من قناعاتهم الشخصية.
نحن نعيش زمنا لم تعد فيه المشكلة في قلة خياراتنا، وإنما في كثرة من يختارون لنا؛ فالسوق يختار، والمشاهير يختارون، والخوارزميات تختار، والجماعة تختار، ثم نأتي في النهاية فنمنح القرار توقيعنا الشخصي ونقول بثقة: (هذا ما أحببناه وما اخترناه).
والحقيقة أن جزءا كبيرا مما نحب لم نختره أصلا، وإنما فُرض علينا أو دُفع إلينا حتى اعتدناه، ثم تعايشنا معه، ثم استحسنّاه، ثم دافعنا عنه بوصفه خيارا لنا، رغم أنه لم يكن اختيارا بإدراك كامل بقدر ما كان نتيجة تكرار وتأثير وتوجيه غير مباشر.
قبل سنوات، كنا نكتشف الأشياء تدريجيا؛ نقرأ كتابا لأن أحدهم رشّحه لنا، أو نزور مكانا لأننا سمعنا عنه مصادفة، أو نستمع إلى فنان لأنه أثار فضولنا.
أما اليوم فالأمر مختلف؛ فهناك ماكينة ضخمة تعمل ليلا ونهارا لإقناعنا بما يجب أن يعجبنا، وما يجب أن نشتريه، وما يجب أن نشاهده، وما يجب أن نعتبره جميلا ومميزا وناجحا.
وحين تتكرر الرسالة ألف مرة، تتحول إلى حقيقة في أذهاننا، وهذا هو جوهر ما أسميه اليوم بـ (الهبّة)، حيث لا يُقاس ما نختاره بعمق قناعتنا، بقدر ما يُقاس بمدى تكراره حولنا وضغطه علينا حتى يبدو كأنه خيارنا الشخصي.
(الهبّة) عملية غير مرئية تُصنع فيها قناعاتنا عبر التكرار والتأثير حتى تبدو وكأنها اختيارٌ مستقل لنا.
وهي ليست منتجا معينا، وليست مطعما أو كتابا أو فيلما أو موضة، وإنما هي حالة ذهنية تدفعنا إلى الركض في اتجاه واحد دون أن نسأل أنفسنا: لماذا نركض أصلا؟
ولأننا كبشر بطبيعتنا نحب الانتماء، وننجذب بسهولة إلى ما يفعله الآخرون؛ فكونُنا جزءا من الصورة العامة أسهل علينا من أن نكون خارجها، وأن نردد ما يردده الجميع أكثر أمانا لنا من أن نمتلك رأيا مختلفا.
وأن نسير مع القطيع أقل تكلفة من أن نجرب وحدنا طريقنا الخاص؛ ولهذا لا تنتشر الهبّات لأنها من اختيارنا وحدنا، وإنما لأنها الأكثر حضورا.
كثيرٌ من الأشياء التي اجتاحت حياتنا خلال السنوات الماضية لم تكن استثنائية إلى هذا الحد، لكنها كانت حاضرة في كل مكان؛ رأيناها في إعلان، ثم في حساب مشهور، ثم في مقطع قصير، ثم في حديث صديق، ثم في تعليق متابع، ثم في قصة على منصة أخرى.
وبعد هذا التكرار الهائل يصبح من الطبيعي أن نشعر بأنها مهمة، وأن نجربها، وأن ننضم إلى موجتها دون أن نتوقف لنسأل أنفسنا: هل هي فعلا من اختيارنا، أم هي مجرد نتيجة تكرار صنع قناعتنا بهدوء؟ والمسألة، كما أعتقد وأظن، ليست إعجابا أو اختيارا بعمق قناعتنا، بقدر ما هي استجابة للتكرار.
المشكلة أن هذه الحالة لا تتوقف عند المنتجات والخدمات، وإنما تمتد إلى أفكارنا وآرائنا ومواقفنا الثقافية والاجتماعية والسياسية.
فكم من فكرة أصبحت رائجة لمجرد انتشارها، وكم من شخص تحول إلى مرجع لأنه يظهر كثيرا في الإعلام ووسائل التواصل، وكم من كتاب بيع منه آلاف النسخ لأن الجميع يتحدث عنه، لا لأن الجميع قرأه فعلا.
من هنا بدأت أزمتنا الحقيقية، حين أصبحت الشهرة دليلاً على الجودة، وتحول مجتمعنا إلى جمهور كبير يصفق للصوت الأعلى لا للفكرة الأفضل. وحين أصبح الانتشار دليلاً على القيمة، وتراجعت المعايير الحقيقية خطوة بعد خطوة حتى كادت تختفي، أصبح الحكم على الأشياء والأفكار قائما على حجم الضجيج الذي يحيط بهما، لا على ما نقدمه من جودة أو فائدة أو أثر.
ولهذا نرى أحيانا أعمالا متواضعة تحصد اهتماما كبيرا جدا، بينما تبقى أعمالٌ أكثر جودة في الظل، ونرى أشخاصاً محدودي المعرفة يحتلون مساحة واسعة من التأثير، بينما يتوارى أصحاب الخبرة والإبداع الحقيقي بعيدا عن الأضواء.
فالناس لا تتبع الأفضل دائما، وإنما تتبع الأكثر ظهورا، ومن هنا تتشكل قناعاتٌ غير دقيقة، وتُبنى أحكامٌ متسرعة على ما يصل إلى الأعين لا على ما يستحق فعلا، فيختلط البريق المؤقت بالقيمة الحقيقية، ويضيع الفرق بين من يترك أثرا ومن يثير ضجيجا فقط.
ولأن وسائل التواصل الاجتماعي قائمة على صناعة لفت الانتباه، فإنها لا تكافئ دائما الأكثر عمقا، وإنما تكافئ الأكثر قدرة على الانتشار، وبين العمق والانتشار فرقٌ شاسع؛ فالانتشار قد يتحقق في ساعات، أما القيمة الحقيقية فتحتاج سنوات.
ومن هنا يمكن فهم سبب تراجع ذائقتنا في كثير من المجالات؛ فحين اعتدنا التصفح السريع تراجع صبرنا على الجودة، وحين ألفنا الانبهار المؤقت أصبح من الصعب علينا تقدير الأشياء والأفكار التي تحتاج وقتا أطول لفهمها.
لقد أصبحنا نتعامل مع الثقافة كما نتعامل مع المقاطع القصيرة؛ نريد الخلاصة قبل الفكرة، والنتيجة قبل التجربة، والانطباع قبل الفهم.
ولهذا انتشرت الأحكام السريعة؛ كتابٌ عظيم يُحكم عليه من اقتباس، وفيلمٌ كامل يُقيَّم من مقطع، وكاتبٌ يصنّف بتغريدة، وفكرةٌ معقدة تُختصر في جملة قصيرة.
وفي هذا المناخ لا تنمو الذائقة، بل تذبل، والذائقة ليست هبة تُمنح للإنسان، وإنما مهارة تُبنى بالتجربة والمقارنة والتأمل.
والإنسان الذي لا يراجع اختياراته يتحول مع الوقت إلى مجرد مستهلك لما يُعرض عليه.
ولعل أخطر ما في الهبّات أنها تمنح أصحابها شعورا مزيفا بالاستقلالية، فيعتقد كثيرون أنهم يفكرون بحرية كاملة، بينما هم في الواقع يتحركون داخل دائرة رسمها غيرهم، فيلبسون ما يُطلب منهم أن يلبسوه، ويشاهدون ما يُطلب منهم أن يشاهدوه، ويعجبون بما قيل لهم إنه يستحق الإعجاب.
وإذا سألت أحدهم: لماذا أعجبك هذا؟ فقد لا تجد جوابا واضحا سوى أنه متداول أو منتشر، وأن الجميع يتحدث عنه، وأن عدم تجربته يخرجه من دائرة الحديث، وهنا تتحول الذائقة إلى تبعية ناعمة لا ينتبه إليها صاحبها.
ولا يعني ذلك أن نعلن الحرب على كل جديد أو نرفض كل هبّة، فليس كل ما ينتشر سيئا، ولا كل هبّة فارغة، فقد تنتشر أشياء ممتازة فعلا وتستحق الاهتمام، غير أن الفرق بين الإنسان اليقِظ والمُلمّ والمنقاد هو أن الأول يسأل قبل أن يتبع، بينما الثاني يتبع ثم يبحث عن المبررات.
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: ماذا يحب الناس؟ وإنما: لماذا أحب هذا أنا؟ وهل أعجبني لأنه جيد فعلا، أم لأنه يتكرر أمامي كل يوم؟ هل اخترته عن قناعة، أم لأن الآخرين اختاروه قبلي؟ هذه الأسئلة البسيطة كفيلة بكشف حجم التأثير الذي تمارسه علينا بيئاتنا المحيطة.
فالحرية الحقيقية لا تعني أن نرفض كل ما يفعله الآخرون، كما لا تعني أن نوافقهم دائما؛ الحرية الحقيقية أن نمتلك أسبابنا الخاصة؛ أن نقرأ لأننا نريد القراءة لا لأن هذا الكتاب أصبح موضة، وأن نشاهد لأن العمل يستحق المشاهدة لا لأن الجميع يتحدث عنه، وأن نشتري لأننا نحتاجه لا لأن الآخرين اشتروه.
وليست المشكلة في الهبّة نفسها، وإنما في أن تتحول إلى بوصلة لحياتنا، فالمجتمعات التي تفقد قدرتها على النقد تصبح أسيرة للتيارات المتقلبة، والأفراد الذين يفقدون القدرة على التفكير يتحولون إلى نسخ متشابهة مهما ظنوا أنهم مختلفون.
أما ذائقتنا الحقيقية فلا تُصنع في الازدحام، وإنما تُصنع حين نمتلك شجاعة السؤال، وقدرة إعادة النظر والتدقيق، وقبول التجربة خارج إطار ما يفعله الجميع.
عندها فقط يصبح اختيارنا تعبيرا عن شخصيتنا، لا مجرد صدى لما اختاره الآخرون قبلنا، فليس كل ما يلمع يستحق الاتباع، وليس كل ما ينتشر يستحق الإعجاب، وليس كل ما يصفق له الناس جديرا بأن نمنحه عقولنا وذائقتنا دون تفكير.
ومن العلامات المقلقة في هذا الوضع أن قيمة الأشياء والأفكار أصبحت تُقاس بحجم الضجيج المحيط بها لا بحقيقتها، فإذا خفت الحديث عن منتج أو فكرة أو شخص، خفت معه الاهتمام وكأن القيمة لا وجود لها خارج دائرة التداول والانتشار.
وهذا يكشف خللا أعمق من مجرد التأثر بالهبّة؛ فهو يتعلق بعلاقتنا بالحكم والتقييم، وبطريقة إدراكنا لقيمة الأشياء بمعزل عن ضجيجها وانتشارها، وبقدرتنا على التمييز بين ما يستحق الاهتمام وما يفرض نفسه علينا فقط لكثرة تداوله.
ففي الماضي كان الناس يختلفون حول الأعمال والكتب والأفكار بعد الاطلاع عليها، أما اليوم فكثير من أحكامهم تُبنى قبل كل ذلك.
يكفي أن يحصل شيء أو فكرة ما على قدر من الاحتفاء حتى يكتسب هالة من التميز، ويكفي أن يتعرض لموجة انتقاد حتى يتردد كثيرون في الاقتراب منه، حتى لو لم يمنحوا أنفسهم فرصة تكوين رأي مستقل.
كما أن هيمنة (الهبّات) لا تضر ذائقتنا الفردية فحسب، بل تضرّ تنوعنا أيضا، فكلما اتجهت أنظارنا إلى عدد محدود من الخيارات، تراجعت فرص تجاربنا الأخرى، واختفت أصوات وأفكار وأعمال قد تكون أكثر جودة، لكنها لا تملك القدرة نفسها على التسويق أو صناعة الضجيج.
ولهذا فإن المحافظة على ذائقتنا ليست أمرا غير ضروري، وإنما شكل من أشكال الاستقلال الفكري؛ فالإنسان الذي يراجع اختياراته باستمرار ويمنح نفسه حق السؤال والتريّث والبحث يكون أقل عرضة للانجراف خلف الموجات المؤقتة، وأكثر قدرة على بناء علاقة حقيقية مع ما يقرأ ويشاهد ويقتني، ويجعل اختياره موقفا لا استجابة تلقائية لإشارات يطلقها الآخرون.


بسم الله ماشاء الله
ابداع متواصل واسلوب يسحب القاريء لاكمال السطر للذي بعده الى اخر المقال ، الممتع والمفيد اويعيشه القاريء واحة بارك الله في مقامك ولاجف مدادك .. تحياتي
اخوكم / حزام بن سعيد ال فاهدهـ