كُتاب الرأي

طارق عزيز ورهان الزمن

طارق عزيز ورهان الزمن

محمد الفريدي

تلقيت أمس اتصالا من أخي العزيز الأديب والكاتب السياسي المعروف محمد سعد الربيعي، لدعوتي إلى حفل زواج ابنه يزيد، فقال بصوت امتزج فيه الأسى بالغضب: (لماذا لا تكتب مقالا عن نهب المال العام في العراق، وكيف تحولت ثرواته الهائلة إلى غنائم تتقاسمها شبكات الفساد، بينما يعيش ملايين العراقيين بين الفقر والبطالة وتردي الخدمات؟).

أغلقت الهاتف، لكن كلماته بقيت تتردد في ذهني، ولم تكن مجرد فكرة لمقال، وإنما كانت سؤالا كبيرا عن وطن كان يوما من أغنى بلدان المنطقة، ثم تحول إلى نموذج للفوضى والنهب والتبعية.

وأخذت أستعرض ما كشف خلال الأسابيع الماضية من ملفات الفساد، وصور الأموال المكدسة في السراديب، والحقائب الممتلئة بالدولارات، وملايين اليوروهات المدفونة في المزارع، فبدت الحقيقة أكثر قسوة مما تحتمله الكلمات.

عندها عدت بذاكرتي إلى ذلك المؤتمر الصحفي الذي وقف فيه طارق عزيز، قبل أكثر من عقدين، يهاجم من كانوا يقدمون أنفسهم في ذلك الوقت معارضة سياسية في الخارج، ويصفهم بأنهم مجرد حرامية ينتظرون فرصة الانقضاض على العراق.

يومها سخر كثيرون من حديثه، وعدوه دعاية سياسية لا أكثر، لكن الزمن كان أكثر إنصافا من الجميع، فقد جاءت الوقائع تباعا لتمنح تلك الكلمات حياة جديدة، حتى غدت أشبه بوصف دقيق لما آل إليه العراق بعد عام 2003.

ففي تسعينيات القرن الماضي، وتحديدا خلال المؤتمرات الصحفية التي أعقبت حرب الخليج الثانية وسبقت غزو العراق عام 2003، كان وزير الخارجية العراقي الأسبق طارق عزيز يرد على أسئلة الصحفيين الغربيين والعرب حول (المعارضة العراقية في الخارج وقدرتها على إقامة نظام جديد في العراق).

وفي أحد أشهر تلك اللقاءات، نظر طارق عزيز إلى عدسات الكاميرات ببرود، وقال عبارته التي رددها التاريخ لاحقا: (لا توجد معارضة عراقية.. هؤلاء ليسوا معارضة، هؤلاء مجموعة من العملاء والمرتزقة والسراق والحرامية، باعوا أنفسهم للأجنبي).

وكان يحذر من أنهم لا يملكون مشروعا لبناء دولة، وإنما يحملون في حقائبهم غلا وحقدا ورغبة عارمة في تفكيك العراق ونهب خيراته، انتقاما من شعبه وتلبية لأطماع رعاتهم.

اليوم، وبعد عقود من تلك التصريحات، يقف المراقب للمشهد العراقي مذهولا أمام دقة تلك التوقعات.

فمنذ أن وطئت أقدامهم أرض الرافدين، وجاءوا خلف الدبابات الغربية وتحت العباءة الإيرانية، أثبتوا أنهم لم يكونوا أصحاب مشروع وطني، وإنما مجموعة من السراق استنزفوا مقدرات البلاد، وأدخلوا العراق في دهاليز مظلمة من التبعية المطلقة لطهران.

لم يكن سقوط بغداد عام 2003 مجرد تغيير في هرم السلطة، وإنما كان عملية استلام وتسليم ممنهجة لمفاتيح القرار الوطني العراقي إلى طهران وإلى هؤلاء السراق.

وهؤلاء الساسة السراق قضوا عقودا يتنقلون بين طهران والعواصم الإقليمية والدولية كأدوات لتنفيذ أجندات استخباراتية، ولم يجدوا حرجا، عندما حانت الفرصة، في جعل العراق الحديقة الخلفية والرئة الاقتصادية للاقتصاد الإيراني المخنوق بالعقوبات.

ففككوا مؤسسات الدولة العراقية برمتها، وجعلوا الميليشيات المسلحة عقائديا تحل محل الجيش الوطني، لتصبح هذه الفصائل الموالية لإيران هي الحاكم الفعلي على الأرض.

هذه الميليشيات لا تحمي حدود العراق، وإنما تؤمن ممرات التهريب المالي والنفطي لصالح الجار الشرقي، وتخنق بكاتم الصوت كل حراك شعبي يطالب بالسيادة أو يستعيد الهوية العربية للعراق، فقد حولوا بلد الحضارات العظيم إلى مجرد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ومخزن لتمويل مشاريع (الولي الفقيه).

والناظر إلى المشهد العراقي اليوم يصاب بالدهشة، ليس فقط من ضخامة الأرقام الفلكية للأموال المنهوبة، التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات، وإنما من طبيعة السلوك الإجرامي لهؤلاء الساسة، وطرق إخفائهم لتلك الأموال.

ففي تجارب الفساد السياسي حول العالم، يميل الساسة الفاسدون عادة إلى غسيل الأموال عبر شبكات معقدة، أو استثمارها في مشاريع تنموية صورية تدر عليهم أرباحا قانونية.

أما في عراق اليوم، عراق الحرامية والبلطجية الذين ابلغنا بهم طارق عزيز فإن المشاهد التي تتسرب بين الحين والآخر تثير السخرية بقدر ما تثير الغضب: سراديب مكدسة بملايين الدولارات تحت الأرض، أو مدفونة في مزارع نائية.

أموال نقدية مدفونة في حدائق المنازل  داخل براميل أو صناديق معدنية محكمة الإغلاق، وعقارات فارهة بأسماء أقارب وتابعين بأساليب مكشوفة وبدائية.

أموال في مستودعات أو كراجات مهجورة بعيدة عن محل السكن، وداخل خزانات مياه فارغة أو خزانات وقود معدلة، وفي حقائب أو صناديق داخل مزارع أو استراحات نائية.

هذا النمط البدائي في السرقة لا يشبه سلوك رجال دولة فاسدين، وإنما يشبه سلوك (قطاع الطرق) أو (شلة لصوص) اقتحموا منزلا على عجل، ويدركون في أعماقهم أن صاحب البيت سيستيقظ قريبا، فراحوا يكنسون الخزائن ويجمعون الأموال والذهب، دون أي أفق للاستثمار أو البناء داخل البلد.

ويطرح حجم هذا الفساد الفج والسافر سؤالا جوهريا: لماذا يسرق هؤلاء بكل هذه الوحشية والعلانية؟ وهل لديهم قناعة راسخة بأنهم سيخسرون العراق، وأن حكمهم لن يدوم؟

الواقع أن أسلوب (السارق المستعجل)، من واقع خبرتي، هو الذي يحكم عقول أحزاب السلطة الحالية، ويعود ذلك إلى حقائق يوقنون بها في قرارة أنفسهم.

أولها انعدام الارتباط الوجداني بالتراب، فهؤلاء لا ينتمون إلى العراق روحيا أو ثقافيا؛ والبلد بالنسبة لهم مجرد (بقرة حلوب) أو (غنيمة حرب)، بينما تتوزع عائلاتهم وممتلكاتهم الحقيقية بين عواصم الغرب وطهران، وجوازات سفرهم البديلة جاهزة دائما في جيوبهم.

من لا يشعر بالانتماء للأرض، لا يهمه إن تحولت إلى رماد، ما دامت طائرته الخاصة جاهزة للإقلاع عند أول صيحة خطر.

وهذه الطغمة الفاسدة توقن أن بقاءها معلق بخيط رفيع من سلاح الميليشيات والدعم الخارجي، وأن الغضب الشعبي، الذي تجسد في انتفاضة تشرين الباسلة وغيرها، هو بركان خامد قد ينفجر في أي لحظة.

هذا الخوف المزمن يدفعهم إلى جمع أكبر قدر من الغنائم لتأمين مستقبلهم خارج أسوار (المنطقة الخضراء)، قبل أن تطالهم يد العدالة.

ويدرك هؤلاء العملاء أن النفوذ الإيراني الذي يستظلون به ليس أمرا دائما، وأن موازين القوى الدولية قابلة للتغير جذريا في أي لحظة.

وأي هزة في عاصمة القرار، طهران، ستعني تلقائيا انهيار حلفائهم في بغداد كأحجار الدومينو. لذلك، يسابقون الزمن لنهب وتخزين ما يمكن نهبه في هذه الفرصة التاريخية المؤقتة.

إن تفريغ العراق من ثرواته، وتخريب بنيته التحتية، وإغراق شبابه في الجهل، لم يكن مجرد فشل إداري ناجم عن قلة خبرة، وإنما كان مخططا ممنهجا ومقصودا؛ لإدراكهم أن مجتمعا جائعا ومغيبا يسهل اقتياده بالشعارات الطائفية المضللة، وتطويعه لصالح المشروع الإيراني.

لكن منطق التاريخ يؤكد أن الأنظمة القائمة على التبعية والنهب تحمل بذور فنائها في أحشائها، وأن الصراع المحموم اليوم بين أقطاب هذه الشلة الفاسدة على تقاسم الغنائم، ليس سوى مؤشر واضح على تآكل هذه المنظومة من الداخل.

والفضيحة تلو الفضيحة التي تكشف عن مليارات مكدسة في غرف سرية، تؤكد أن هذه المنظومة تتآكل من داخلها، وأن نهايتها تبدأ من تنازع أطرافها على الغنائم.

العراق، بعمقه الحضاري والعربي، لن يبقى أسيرا لشراذم باعت ضميرها للأجنبي، وسرقت قوت المساكين، والوعي المتنامي لدى الأجيال العراقية الجديدة هو الضمان الأكيد بأن هذه الطبقة الفاسدة ستواجه حتما لحظة القصاص التاريخي.

وأن أموالها المنهوبة ستذهب أدراج الرياح، وستبقى وصمة (الحرامية والعملاء) تلاحق تاريخهم وسلالتهم إلى الأبد.

وإذا كان حجم الأموال المنهوبة صادما للجميع، فإن عدد المتورطين أكثر صدمة، فلم تعد المسألة مرتبطة بمسؤول أو وزير أو حزب، وإنما تحولت إلى ثقافة فساد شاملة تمددت في مفاصل الدولة، حتى أصبح النهب سلوكا عاديا، وتراجعت قيمة الأمانة أمام إغراء الغنيمة.

وكلما اتسعت دائرة السراق، دل ذلك على انهيار المنظومة الأخلاقية والسياسية والمالية في آن واحد، لأن الشعب الذي يعجز عن حماية المال العام يعجز أيضا عن حماية العدالة والكرامة والسيادة.

ولعل أكثر ما يبعث على الاشمئزاز أن هذه الثروات لم تأت من تجارة أو صناعة أو استثمار، وإنما خرجت من أفواه الفقراء، ومن مدارس لم تبن، ومستشفيات تركت بلا دواء، وطرق تحولت إلى مصائد للموت، ومدن غرقت في الظلام والبطالة واليأس.

كل رزمة نقود دفنت في مزرعة أو سرداب كانت تعني مشروعا تنمويا مات قبل أن يولد، وطفلا حرم من تعليم كريم، ومريضا لفظ أنفاسه وهو ينتظر سريرا في مستشفى حكومي.

والأشد مرارة أن بدائية إخفاء هذه الأموال تكشف ضحالة العقول التي استولت على العراق، وتعيد إلى الأذهان ما قاله طارق عزيز قبل سنوات عن هؤلاء السراق، عندما وصفهم بأنهم لا يحملون مشروعا وطنيا، وإنما يسعون إلى نهب البلاد متى سنحت لهم الفرصة.

فحتى السرقة، التي تعد من أبشع الجرائم، لها عند عصابات الجريمة المنظمة أساليب معقدة لإخفاء آثارها، أما هؤلاء فقد تصرفوا بعقلية من ينهب ثم يدفن ما سرقه في أقرب حفرة، وكأنهم يدركون أنهم يعيشون أياما معدودة قبل السقوط.

إنها عقلية الغزاة والحرامية، لا عقلية الحكام، وعقلية اللصوص المرعوبة من طرق الأبواب عليهم في كل لحظة، فينام أصحابها فوق صناديق المال المسروق أكثر مما ينامون مطمئنين إلى مستقبلهم.

إن العراق لم تقتله الحروب وحدها، وإنما قتله أيضا هذا الانحدار المخيف في الضمير، عندما أصبح بعض من تصدروا المشهد السياسي يجمعون بين الفساد والجهل والتبعية والطائفية في صورة واحدة.

وما دام المال العام يعامل كغنيمة، والوطن كمحطة، فإن المأساة لن تكون اقتصادية ومالية فحسب، وإنما ستكون حضارية وأخلاقية أيضا، وسيبقى العراقيون يدفعون ثمنها جيلا بعد جيل.

لقد أثبتت السنوات أن نهب الأوطان لا يصنع دولة، وأن الفساد مهما امتد لن يتحول إلى وضع لا يتغير، فقد ينجح اللصوص في إخفاء أموالهم التي سرقوها، وقد يشترون الصمت لبعض الوقت، لكنهم لن يشتروا يوما صفحة ناصعة البياض في التاريخ.

سيبقى العراق أكبر من سارقيه، وستبقى ذاكرة الشعوب تلاحق كل من خان الأمانة، ونهب الثروة، وباع الوطن، حتى يأتي اليوم الذي يستعيد فيه العراق مكانته، ويسترد أبناؤه ما سلب منهم، ويقف كل فاسد أمام حكم التاريخ قبل أي محكمة أخرى.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

تعليق واحد

  1. رائع ي ابو سلطان سلمت وسلمت يداك وقلمك السيال ، قلت مافي خاطري وكان بودي ان تعرج على ايران التي جهلت هذا الشعب وولدت هذه الشراذم مجموعة السراق التي اشرت لها دمت اباسلطان يرعاك الله،،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.