كُتاب الرأي

من هرمز إلى خارك

من هرمز إلى خارك

هل اقتربت إيران من خسارة آخر أوراقها؟

منذ أشهر، لم أتعامل مع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران باعتبارها مجرد تبادل للضربات أو رسائل ردع متبادلة، بل باعتبارها مشروعًا لإعادة تشكيل ميزان القوى في الخليج والشرق الأوسط. واليوم، ومع تسارع الأحداث، تبدو الصورة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

لقد تناولت هذا المسار في سلسلة من المقالات التي حاولت قراءة ما وراء الحدث، وليس الاكتفاء بوصفه، وكان القاسم المشترك بينها أن الهدف الحقيقي لا يقتصر على ردع إيران، بل يتجاوز ذلك إلى تجريدها تدريجيًا من أدوات القوة التي بنتها طوال أربعة عقود.

واليوم، وبعد أشهر من التصعيد، تبدو هذه الفرضية أكثر حضورًا في النقاشات الاستراتيجية، حتى وإن بقيت بعض السيناريوهات رهينة تطورات الميدان والقرار السياسي.

من الردع إلى تفكيك القدرة
المشروع الإيراني يقوم على ثلاث ركائز رئيسية: القوة الصاروخية، والقوة البحرية غير المتكافئة، وشبكة الوكلاء الإقليميين. وتشير التطورات الأخيرة إلى تعرض هذه الركائز لاستنزاف متزايد عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا.

لكن ما يجري لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية المواجهة العسكرية وحدها، بل من زاوية إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الخليج. فالقوى الكبرى تسعى إلى ضمان أمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة، وهي معادلة تتجاوز حدود المواجهة المباشرة.

البعد السعودي… صناعة التوازن
في قلب هذه التحولات يبرز الدور السعودي بوصفه ركيزة للاستقرار الإقليمي. فالمملكة العربية السعودية لم تبنِ سياستها على التصعيد، وإنما على حماية أمن الخليج، وصون أمن الطاقة العالمي، والحفاظ على حرية الملاحة، مع تعزيز قدراتها الدفاعية ورؤيتها التنموية.

لقد أثبتت المملكة أن القوة لا تُقاس بالقدرات العسكرية وحدها، بل بالحكمة السياسية، وبعد النظر، والقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص لبناء توازنات جديدة تخدم أمن المنطقة واستقرارها.

ماذا بقي لإيران؟
تبقى قدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز إحدى أهم أوراق الضغط لديها، إذ يمثل المضيق أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. والسؤال الاستراتيجي هو: هل سيقبل المجتمع الدولي باستمرار هذه الورقة، أم ستتجه المرحلة المقبلة إلى تجريد إيران منها أيضًا؟

خارك… ولماذا ركزت عليها؟
تمثل جزيرة خارك القلب الاقتصادي لصادرات النفط الإيرانية، ولذلك فإن أي استهداف أو تحييد لها ستكون له آثار تتجاوز البعد العسكري إلى الاقتصاد والطاقة.

هل ينتقل الصراع من البحر إلى البر؟
يبقى هذا الاحتمال مطروحًا لدى بعض المحللين، لكنه لا يزال مرهونًا بقرارات سياسية وعسكرية معقدة، ولا توجد مؤشرات كافية للجزم بحدوثه.

إذا فقدت إيران هرمز… ماذا يبقى؟
إذا فقدت إيران قدرتها على تهديد الملاحة، فإنها ستخسر أهم وسائل الضغط على الاقتصاد العالمي، وجزءًا كبيرًا من قدرتها على التأثير في أسواق الطاقة، وإحدى ركائز الردع التي اعتمدت عليها لعقود.

وفي المقابل قد تدخل المنطقة مرحلة جديدة يكون عنوانها إعادة بناء منظومة أمنية أكثر استقرارًا، وهو ما يجعل الحكمة والقيادة الرشيدة عنصرين لا يقلان أهمية عن القوة العسكرية.

الخلاصة
يبدو أن الصراع تجاوز مرحلة الرسائل السياسية، ودخل مرحلة إعادة رسم موازين القوى في الخليج.

لكن الانتصارات العسكرية وحدها لا تصنع سلامًا دائمًا، بل تحتاج إلى رؤية سياسية ودول قادرة على قيادة مرحلة ما بعد الصراع. ومن هنا يبرز الدور السعودي بما يمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي ورؤية استراتيجية جعلته أحد أهم ركائز الأمن والاستقرار في المنطقة.

ويبقى السؤال الأكبر: هل تقف الحرب عند حدود إضعاف إيران، أم تتجه إلى تجريدها من آخر أدوات الضغط في مضيق هرمز؟ الإجابة ستكتبها الوقائع على الأرض.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
19 يوليو 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.