كُتاب الرأي

رحلة الصمود في وجه الألم

رحلة الصمود في وجه الألم

تسير الحياة أحيانًا مع إنسان واحد كأنها تعقد معه امتحانًا طويلاً، تفتح أمامه بابًا حتى تغلق آخر، وتمنحه بصيصًا من الدفء ثم تتركه يواجه بردًا يعرف طريقه إلى القلب. ومع كل خطوة يظن أن نصيبه من المشقة اكتمل، تمتد أمامه مسافة أخرى تدعوه إلى مزيد من الصبر، حتى يبدو الطريق وكأنه يريد أن يعرف مقدار ما تستطيع الروح احتماله قبل أن تنحني.

في بدايات العمر، لا يبحث الطفل عن الثروة ولا عن الشهرة، وإنما يبحث عن شعور واحد؛ أن يجد مكانًا يأوي إليه حين يخاف. فإذا نشأ والخوف يسبقه إلى تفاصيل يومه، كبر وفي داخله أسئلة كثيرة، يحملها بصمت، ويبتسم للناس بينما يفتش في أعماقه عن يقين يطمئن قلبه.

وبينما هو كذلك يحمله همه في صمت جاء اليوم الذي غاب فيه الأب، عندها تغيّر معنى البيت، وتبدلت ملامح الطريق، وفقدت الأيام صوتًا كان يمنحها طمأنينة لا يشعر بقيمتها إلا من افتقدها. رحيل الأب لا يسرق رجلًا من أسرته فحسب، وإنما يترك في الأرواح فراغًا تتردد أصداؤه كلما احتاج القلب إلى سند، وكلما ضاقت السبل، وكلما التفت الإنسان حوله باحثًا عن كتف يعرفه منذ الطفولة.

ولم يمهله الطريق طويلاً أقبلت الحاجة، تحمل معها امتحانًا آخر. صار يحسب رغباته كما يحسب المسافر قطرات الماء، ويؤجل أمنياته حتى اعتادت الانتظار. ومع ذلك بقيت كرامته أعلى من كل ظرف، لأن النفوس الكبيرة تعرف أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك، وإنما بما يحفظه من مبادئ وهو يمر بأشد الظروف.

ثم وجد نفسه بين وجوه تتقن تثبيط العزائم أكثر مما تتقن بث الأمل. كلمات جارحة، ونظرات تستخف بكل محاولة، وأحاديث تزرع الشك في كل خطوة. كان يسمع كثيرًا، ويتحدث قليلًا، ثم يمضي، فقد أدرك أن الطريق لا يسأل عن أصوات الواقفين على جانبيه، وإنما يكافئ أقدام الذين يواصلون السير.

بعدها جاءت الضربة التي يعرفها أصحاب القلوب الصادقة، الخذلان.

حين يأتي من الغرباء يترك أثرًا، وحين يأتي ممن سكنوا القلب، يترك صدعًا يصعب ترميمه. افترق عن وجوه أحبها، وعن أرواح حسبها جزءًا من حياته، ورأى أماكن كاملة تفقد معناها لأن أصحابها غادروها. عندها اكتشف أن الفقد لا يقتصر على الأشخاص، وإنما يمتد إلى الذكريات، وإلى التفاصيل الصغيرة، وإلى ذلك الشعور الذي كان يجعل الحياة أكثر دفئًا.

كانت المحن تتعاقب، واحدة تمسك بيد الأخرى، حتى ظن من يراقبه أن هذه الروح لن تقوى على مواصلة الطريق.

ومع ذلك…عاش.

عاش لأنه أدرك أن الانكسار قرار قبل أن يكون نتيجة، وأن القلب الذي يتمسك بكرامته يخرج من أقسى التجارب أكثر نقاءً، وأن الإنسان حين يحفظ قيمه، يربح نفسه حتى لو خسر أشياء كثيرة.

لقد خرج من رحلته وهو يعرف الناس أكثر، ويعرف نفسه أكثر. صار يميز بين من يقترب حبًا، ومن يقترب مصلحة، وبين من يحضر عند الرخاء، ومن يبقى ساعة الضيق. لم تحمله التجارب إلى القسوة، وإنما حملته إلى الحكمة، فصار يفتح قلبه بوعي، ويمنح ثقته لمن يستحقها، ويترك ما يؤذيه دون صخب.

وهكذا تمضي بعض الأرواح في هذه الحياة؛ لا يصفق لها أحد، ولا يعرف الناس عدد المعارك التي خاضتها، ولا مقدار الدموع التي أخفتها خلف ابتسامة هادئة. غير أن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على الاحتفاظ بإنسانيتها، مهما اشتدت عليها النوائب والابتلاءات.

قطعًا هذه ليست خاتمة صفحات العمر، وإنما شهادة على أن الروح التي تؤمن بربها، وتحفظ كرامتها، وتتمسك بالمبادئ، تستطيع أن تعبر أكثر الطرق قسوة، ثم تصل بقلب أنهكه الطريق، ولم تهزمه مسيرة طويلة من المعاناة.

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي

 

 

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي وإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.