كُتاب الرأي

*ليلة سابعة من القصف… ثم ماذا؟* .

*ليلة سابعة من القصف… ثم ماذا؟* .

*رؤية تحليلية استراتيجية* .

*السبت الموافق 18 يوليو 2026م .*

كتبه ؛اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .

*تتغير موازين القوى في الحروب أحيانا قبل أن تتوقف المدافع عن إطلاق النار. فمع امتداد العمليات إلى ليلة سابعة متواصلة، لم تعد المواجهة الدائرة مجرد تبادل للضربات بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لقدرة كل طرف على فرض إرادته السياسية، وعلى تحديد شكل النظام الأمني الذي سيخرج من تحت ركام هذه الحرب.*

ولأن الاستراتيجية تقاس بالنتائج لا بصخب المعارك أو دويها ، فإن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بعدد الصواريخ التي أطلقت أو المواقع التي قصفت، وإنما بما إذا كانت هذه العمليات ستنجح في إزالة مصادر التهديد، أم أنها ستكتفي بإضعافها مؤقتا لتعود بصورة أكثر تعقيدا في المستقبل. فالتاريخ العسكري يعلمنا أن أخطر الحروب ليست تلك التي تبدأ بالقوة، بل تلك التي تنتهي دون معالجة أسبابها.

ويبدو أن النظام الإيراني ما زال يراهن على استراتيجية إستنزاف الخصوم، وتوسيع ساحات الصراع، والاعتماد على التنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة به، وتهديد الملاحة الدولية، باعتبارها أدوات تمنحه مساحة للمناورة السياسية والعسكرية. غير أن هذا الرهان يحمل في داخله تناقضا واضحا، إذ إن توسيع نطاق الأزمة قد يرفع كلفة المواجهة على الآخرين، لكنه يضاعف في الوقت نفسه الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية على إيران نفسها، ويزيد من عزلتها الإقليمية والدولية.

لقد أثبتت الاعتداءات الغاشمة والجبانة التي تعرضت لها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وما سبقها من تهديدات للممرات البحرية، أن المشروع الذي يقوم على تصدير الأزمات لا يستطيع أن يبني استقرارا دائما. فالدول قد تتحمل الأزمات لفترة، لكنها لا تقبل أن يصبح أمنها وسيادتها ومصالحها رهينة لسياسات تقوم على استخدام القوة غير النظامية والتنظيمات المسلحة لتحقيق أهداف سياسية.

*ومن هنا برز الموقف السعودي بوصفه نموذجا مختلفا في إدارة الأزمات. فالمملكة العربية السعودية تعاملت مع التطورات بمنطق الدولة المسؤولة، محافظة على أعلى درجات الجاهزية العسكرية، ومتمسكة في الوقت ذاته بالحكمة السياسية، وبحقها المشروع في حماية أمنها الوطني، مع الحرص على عدم منح الخصم فرصة لتوسيع دائرة الحرب أو جر المنطقة إلى مواجهة شاملة تخدم أهدافه.*

*وهذه السياسة ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لنهج استراتيجي يرى أن الردع الحقيقي لا يعني البحث عن الحرب، وإنما امتلاك القدرة الكاملة على منعها إذا أمكن، وحسمها إذا فرضت، ثم العمل على بناء بيئة إقليمية تمنع تكرار أسبابها. ولذلك بقيت المملكة ركنا أساسيا في أمن الخليج العربي، وعنصرا موثوقا في استقرار الاقتصاد العالمي، وشريكا يعتمد عليه في حماية أمن الطاقة وحرية الملاحة الدولية.*

ولعل أكثر ما يقلق العالم اليوم ليس حجم الدمار العسكري، وإنما احتمال انتقال الأزمة إلى قطاع الطاقة العالمي. فالممرات البحرية في الخليج العربي وباب المندب ليست مجرد طرق لعبور السفن، بل شرايين رئيسة للاقتصاد الدولي. وأي اضطراب طويل فيها ينعكس مباشرة على كلفة النقل والتأمين وسلاسل الإمداد، ثم يمتد أثره إلى الصناعة والتجارة والغذاء والتضخم والنمو الاقتصادي في مختلف القارات.

وقد تتمكن المخزونات الاستراتيجية لدى بعض الدول من امتصاص جزء من الصدمة في المراحل الأولى، لكنها ليست بديلا دائما عن استمرار الإنتاج والتصدير بصورة مستقرة. فهذه المخزونات أنشئت لمعالجة الانقطاعات المؤقتة، لا لتعويض اضطراب طويل الأمد في أحد أهم أقاليم إنتاج الطاقة في العالم. ولهذا فإن استمرار التصعيد لا يمثل تحديا لدول المنطقة وحدها، بل يشكل تحديا مباشرا للاقتصاد العالمي بأسره.

*وفي هذا السياق تتجلى الأهمية الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية باعتبارها الدولة التي ربطت مكانتها الدولية بإنتاج الاستقرار، لا بإنتاج الأزمات. فالمملكة لم تستخدم الطاقة يوما أداة لابتزاز العالم، بل تعاملت معها باعتبارها مسؤولية اقتصادية وسياسية وأخلاقية، وهو ما أكسبها ثقة المجتمع الدولي ورسخ دورها كأحد أهم الضامنين لاستقرار أسواق الطاقة العالمية.*

أما النظام الإيراني، فقد اختار طوال عقود مسارا مختلفا، يقوم على بناء النفوذ عبر الأذرع المسلحة، وإدامة بؤر التوتر، واستثمار الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية. غير أن التجارب أثبتت أن هذا النوع من النفوذ يظل هشا، لأنه يعتمد على استمرار الفوضى، بينما تبنى المصالح الدولية الكبرى على الاستقرار، واحترام سيادة الدول، وأمن التجارة، وسلامة الممرات البحرية.

إن مركز الثقل الحقيقي في هذه الحرب لم يعد مجرد قواعد عسكرية أو منصات صاروخية، بل أصبح قدرة النظام الإيراني على إعادة إنتاج أدوات التهديد بعد انتهاء العمليات. فإذا بقيت هذه القدرة قائمة، فإن المنطقة قد تواجه جولات جديدة من التصعيد مهما بلغت نتائج الضربات العسكرية الحالية. أما إذا نجحت الجهود الدولية في منع إعادة بناء تلك المنظومة، فإن الشرق الأوسط قد يكون أمام فرصة تاريخية للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار.

وبعد سبع ليال من القصف، تبدو الحقيقة أكثر وضوحا من أي وقت مضى؛ فالقوة العسكرية قد تفرض واقعا ميدانيا، لكنها لا تصنع وحدها سلاما دائما. والسلام الحقيقي يبدأ عندما تتوقف أسباب العدوان، وتجف منابع دعم التنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود، وتحترم سيادة الدول، وتصان حرية الملاحة، ويصبح الاستقرار خيارا استراتيجيا لا هدنة مؤقتة.

*ويبقى الدرس الأهم أن التاريخ لا يمنح مكانته لمن يطيل أمد الحروب، بل لمن ينجح في إنهاء أسبابها. وأن النفوذ المستدام لا يصنعه الخوف، ولا تبنيه الصواريخ، وإنما تبنيه الدول التي تجعل من الأمن والاستقرار والالتزام بالقانون الدولي أساسا لسياستها. وعندما يكتب المؤرخون هذه المرحلة، فلن يتوقفوا كثيرا عند عدد الليالي التي استمرت فيها الحرب، بل عند الطرف الذي استطاع أن يحول القوة إلى استقرار، والانتصار العسكري إلى أمن دائم يخدم المنطقة والعالم.*

كاتب راي

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.