*حان وقت الحسم…*

*حان وقت الحسم…*
*رؤية تحليلية استراتيجية .*
*الأربعاء الموافق 15 يوليو 2026م .*
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .
*في العمل الاستراتيجي، لا يعد أخطر التهديد ذلك الذي يظهر أمامك، بل ذلك الذي يمنح الوقت الكافي ليعيد بناء نفسه. فالحروب لا تطول دائما بسبب قوة الخصم، وإنما لأن فترات التهدئة قد تتحول إلى فرصة لإعادة تنظيم القدرات، وتطوير وسائل القتال، واستئناف الصراع بأدوات أكثر تعقيدا. ومن هنا، فإن قيمة أي استراتيجية لا تقاس بقدرتها على احتواء الأزمة، بل بقدرتها على منع إعادة إنتاجها.*
*وهذه هي المعضلة التي واجهها الشرق الأوسط طوال العقود السبعة والأربعين الماضية.*
لقد انشغل المجتمع الدولي بإدارة نتائج الأزمات أكثر من انشغاله بإزالة أسبابها، وتعامل مع مظاهر التهديد أكثر من تعامله مع العقيدة التي تنتجه. فكانت الصواريخ تدمر، بينما يبقى القرار الذي ينتجها. وكانت التنظيمات الإرهابية المسلحة تتراجع في ساحة، ثم تعود إلى الظهور في ساحة أخرى. وكانت جولات التفاوض تبدأ، بينما تستغل فترات الهدوء لإعادة التموضع واستعادة القدرة على التصعيد.
*وهنا وقع الخطأ الاستراتيجي الأكبر.*
فالمشكلة لم تكن يوما في السلاح وحده، بل في النهج الذي يقرر متى يستخدم، وضد من يستخدم، ولأي غاية يستخدم. فمنذ عام ( 1979 )، انتهج النظام الإيراني سياسة ثورية هجومية ( مقيتة ) قائمة على تصدير الأزمات والكوارث ، ودعم التنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود، واستثمار الفوضى الإقليمية، وتهديد الممرات البحرية، باعتبارها أدوات لتعزيز النفوذ وفرض الإرادة السياسية خارج الحدود.
【*إن أخطر التهديدات ليست تلك التي تمتلك السلاح، بل تلك التي تمتلك الوقت الكافي لإعادة إنتاجه*】.
ولذلك، فإن الاعتداءات الإرهابية الغاشمة والجبانة التي تعرضت لها المملكة العربية السعودية، ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، واستهداف الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر، لم تكن أحداثا منفصلة، بل تعبيرا عن نهج واحد يقوم على استنزاف الدول، ورفع كلفة الاستقرار، وتحويل الأمن الإقليمي إلى ورقة تفاوض دائمة.
ومن منظور عسكري بحري، فإن أمن الممرات البحرية ليس قضية ملاحة فحسب، بل هو أحد أعمدة الأمن الاقتصادي العالمي. فهذه الممرات تحمل جزءا كبيرا من تجارة العالم وإمدادات الطاقة، وأي تهديد لها لا يصيب دول المنطقة وحدها، بل يمتد أثره إلى الأسواق الدولية، وسلاسل الإمداد، والاستثمار، والنمو الاقتصادي العالمي.
كما أن الحروب الحديثة لا تحسم في ميادين القتال وحدها، بل تحسم داخل منظومات القيادة والسيطرة، وشبكات التمويل، ومراكز صناعة القرار. فإذا بقيت هذه المنظومات قادرة على إعادة إنتاج القرار العدائي، فإن أي نجاح عملياتي سيظل نجاحا مؤقتا، مهما بلغت دقة الضربات أو اتسع نطاقها.
【*وبوصفها القوة الأعظم في العالم، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتمتع بمكانة القيادة الدولية فحسب، بل تتحمل مسؤولية تاريخية واستراتيجية في الإسهام في حماية النظام الدولي القائم على القواعد والأنظمة المتخذة ، وصون حرية الملاحة، ودعم إحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، والتصدي، ضمن أحكام القانون الدولي وبالتنسيق مع الحلفاء والشركاء والمؤسسات الدولية المختصة ذات العلاقة ، لكل سلوك يهدد الأمن والسلم الدوليين، ومنع الدول المارقة والتنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود من فرض إرادتها بالقوة أو تحويل العنف والابتزاز إلى أدوات لتحقيق مكاسب سياسية*】.
ومن هذا المنطلق، فإن الدور الأمريكي لا ينبغي أن يقتصر على الرد العسكري بعد وقوع الاعتداء، بل يتعين أن يقود جهدا دوليا متكاملا يجبر النظام الإيراني والتنظيمات الإرهابية المسلحة المرتبطة به على التخلي عن نهج العدوان، واحترام سيادة الدول، والامتثال الكامل لقواعد القانون الدولي، والكف عن استخدام الإرهاب والميليشيات والابتزاز البحري والسياسي وسيلة لفرض الإرادة وتحقيق المكاسب.
ولا يتحقق ذلك بضربة عسكرية منفردة، ولا بعقوبات اقتصادية وحدها، ولا بجولة تفاوض جديدة، بل بمنظومة متكاملة من الردع العسكري، والعمل الاستخباراتي، والضغط الاقتصادي، والعزل السياسي، والمساءلة القانونية، بما يؤدي إلى تجفيف مصادر التمويل، وتعطيل شبكات الوكلاء الإرهابيين ، وإنهاء البيئة التي سمحت لهذا النهج بالاستمرار طوال العقود الماضية.
*وفي المقابل، قدمت المملكة العربية السعودية نموذجا مختلفا، يقوم على إنتاج الاستقرار لا إدارة الفوضى. فجمعت بين الحكمة في القرار، وتعزيز قدراتها الدفاعية، والتمسك بالقانون الدولي، والعمل مع شركائها الإقليميين والدوليين لحماية أمن المنطقة، وتأمين الممرات البحرية، والمحافظة على استقرار أسواق الطاقة، انطلاقا من قناعة راسخة بأن السلام والاستقرار والإزدهار الحقيقي لا يصنعه الضعف، وإنما تصنعه قوة مسؤولة، وحكمة راسخة، وردع يمنع العدوان قبل وقوعه.*
والحكم الاستراتيجي في تقديري أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، لم يعد النجاح فيها يقاس بعدد الضربات العسكرية أو حجم الخسائر، بل بمدى القدرة على منع النظام الإيراني والتنظيمات الإرهابية المسلحة المرتبطة به من إعادة إنتاج التهديد. فإذا تحقق ذلك، نكون أمام تحول استراتيجي حقيقي يعيد رسم معادلات الأمن الإقليمي. أما إذا بقيت البيئة التي تنتج هذا السلوك قائمة، فإن أي هدوء لن يكون سوى هدنة مؤقتة تسبق دورة جديدة من التصعيد.
لقد منحت المنطقة فرصا كثيرة للتهدئة، واستنفدت الدبلوماسية معظم أدواتها، وجرب المجتمع الدولي مختلف وسائل الاحتواء. أما اليوم، فإن التحدي لم يعد في إيقاف جولة جديدة من الصراع، بل في منع ولادة الجولة التي تليها.
*حان وقت الحسم… لا لأن الحرب غاية، بل لأن السلام المستدام لا يتحقق بإدارة الأزمات، وإنما بإزالة الأسباب التي تعيد إنتاجها. فالسلام لا يحميه حسن النوايا وحده، وإنما تحميه إرادة تردع من يعتدي، وعدالة تنصف من يلتزم، وقوة تجعل احترام القانون الدولي الخيار الوحيد أمام كل من يفكر في العبث بأمن الدول واستقرار الشعوب. فالتاريخ لا يرحم من يبدد فرص السلام، ومن يرفض أن يتعلم من الحكمة، فلن يجد في النهاية إلا القوة معلما، والردع حكما، والتاريخ شاهدا لا يجامل أحدا.*
كاتب رأي
