كُتاب الرأي

*حرب إيران… ماذا هناك؟*

*حرب إيران… ماذا هناك؟*

*رؤية تحليلية إستراتيجية .*

*السبت( 27 ) يونيو 2026م* .

【*الحروب الكبرى لا تغير خرائط الجغرافيا فحسب، بل تعيد رسم خرائط القوة.*】

تكشف بعض الحروب نتائجها في ميادين القتال، بينما تكشف حروب أخرى حقيقتها في التحولات التي تتركها في الفكر الإستراتيجي. وتشير المعطيات إلى أن المواجهة الأخيرة المرتبطة بإيران تنتمي إلى هذا النوع، إذ تجاوزت حدود الاشتباك العسكري لتصبح اختبارا لقدرة الدول على حماية منظومة مترابطة من 【*مراكز الثقل الاستراتيجية*】 تشمل القيادة والسيطرة، والطاقة، والاقتصاد، والممرات البحرية، والدبلوماسية. ومن ثم، فإن قراءة الحرب من زاوية عسكرية مجردة لم تعد كافية، لأن مفهوم القوة نفسه يشهد تحولا متسارعا.

بدأت الأزمة بعمليات عسكرية متبادلة، لكنها سرعان ما انتقلت إلى مستوى أوسع، حيث تداخلت حسابات الردع مع أمن الطاقة، والملاحة الدولية، والاقتصاد العالمي، والتحركات الدبلوماسية. وهنا برزت حقيقة أن الحروب الحديثة لا تحسم دائما بإسكات السلاح، بل قد تنتقل إلى مرحلة يعاد فيها تنظيم التنافس عبر أدوات سياسية واستراتيجية أكثر تعقيدا.

*ومن منظور كلاوزفيتز، فإن مركز الثقل هو المصدر الرئيس الذي تستمد منه الدولة قدرتها على مواصلة الصراع. وفي هذه الأزمة لم يعد مركز الثقل يقتصر على قاعدة عسكرية أو منظومة صاروخية، بل أصبح يشمل القدرة على حماية القرار السياسي، والمحافظة على تماسك مؤسسات الدولة، وتأمين خطوط الإمداد، وضمان استقرار الاقتصاد، وحماية الممرات البحرية التي يرتبط بها جزء كبير من حركة الطاقة والتجارة العالمية.*

كما كشفت الأزمة عن تصاعد أهمية المجال البحري بوصفه أحد أبرز مكونات القوة الإستراتيجية في القرن الحادي والعشرين. فالممرات البحرية لم تعد مجرد طرق لعبور السفن، بل أصبحت شرايين للطاقة، والتجارة، وسلاسل الإمداد، والاتصالات العالمية. وأصبح أمنها عاملا مؤثرا في الاستقرار الاقتصادي الدولي، بقدر تأثيره في الخطط العسكرية.

وفي المقابل، أثبتت الحرب أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف السياسية. فالاستخبارات، والحرب الإلكترونية، وإدارة المعلومات، والقدرة على توجيه الرسائل الاستراتيجية، أصبحت عناصر لا تقل أهمية عن القوة النارية، لأن القرار الصحيح في التوقيت المناسب قد يحقق أثرا يتجاوز نتائج عمليات عسكرية واسعة.

وفي هذا السياق، جاءت 【*مذكرة التفاهم الإطارية*】 بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني لتشير إلى انتقال إدارة الأزمة تدريجيا من الميدان إلى السياسة. غير أن هذه المذكرة لا تمثل نهاية للصراع، بقدر ما تمثل إطارا لإدارة مرحلة جديدة تقوم على اختبار الإرادة السياسية، وقياس مدى الالتزام بالتفاهمات، ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، مع بقاء الملفات الجوهرية موضع تفاوض ومتابعة.

وتقود هذه القراءة إلى إستنتاج أن جانبا مهما من حالة عدم الاستقرار التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية ارتبط بسياسات النظام الإيراني، من خلال توسيع النفوذ الإقليمي، ودعم التنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة به، وتطوير أدوات الردع غير التقليدية، واستخدام التهديد بإرباك أمن الممرات البحرية وسيلة للضغط السياسي والعسكري. وقد أسهم ذلك في تعقيد البيئة الأمنية، ورفع كلفة الاستقرار على دول المنطقة والاقتصاد العالمي.

*وفي المقابل، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها إحدى أهم ركائز الاستقرار الإقليمي، إذ دعمت جهود خفض التصعيد، وشجعت الحلول السياسية، وأسهمت في تهيئة بيئة مواتية للحوار، مع مواصلة دورها المحوري والمركزي في المحافظة على استقرار أسواق الطاقة، وضمان موثوقية الإمدادات، وهو ما عزز مكانتها شريكا دوليا يعتمد عليه في دعم الأمن الإقليمي والاقتصاد والاستقرار العالمي.*

أما على المستوى الدولي، فإن الولايات المتحدة سعت إلى المحافظة على حرية الملاحة وتعزيز الردع، بينما ركزت الصين على حماية تدفق الطاقة وسلامة سلاسل الإمداد، ونظرت روسيا إلى الأزمة من زاوية إعادة تشكيل ميزان القوى الدولي، في حين انشغلت أوروبا بتقليل الانعكاسات الاقتصادية، وواصلت الهند متابعة أمن الخليج العربي بوصفه ركيزة أساسية لأمنها الاقتصادي والتجاري. ويعكس ذلك أن الأزمة تجاوزت بعدها الإقليمي لتصبح جزءا من معادلة دولية أوسع.

وتشير الدلائل والمؤشرات إلى أن 【*سيناريو الاحتواء*】 يبقى الأكثر ترجيحا، لأن كلفة الحرب الشاملة لا تزال مرتفعة على جميع الأطراف، في حين يوفر المسار السياسي مجالا لإدارة التنافس دون إنهائه. ومع ذلك، فإن أي إخفاق في تنفيذ التفاهمات، أو أي خطأ في الحسابات العسكرية، قد يعيد الأزمة إلى دائرة التصعيد.

*إن القيمة الحقيقية لهذه الحرب لا تكمن في حجم الدمار الذي خلفته، بل في أنها أعادت تعريف العلاقة بين القوة العسكرية، والطاقة، والاقتصاد، والجغرافيا البحرية، والدبلوماسية، بوصفها منظومة واحدة يصعب الفصل بين عناصرها. كما أكدت أن الدول التي توازن بين قوة الردع والحكمة السياسية، وتجعل من الاستقرار هدفا إستراتيجيا هي الأقدر على حماية مصالحها الوطنية وكسب ثقة المجتمع الدولي.*

【*القوة الحقيقية لا تقاس بما تمتلكه الدولة من وسائل الردع فحسب، بل بقدرتها على توظيفها بحكمة، وحماية مصالحها، وصناعة الاستقرار في محيطها الإقليمي والدولي.*】

كتبه ؛

اللواء البحري الركن م.
عبدالله بن سعيد الغامدي

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.