عبدالله الربيعة: جراح تخطى الحدود

عبدالله الربيعة: جراح تخطى الحدود
……………
حين يُذكر الطب الإنساني في المملكة العربية السعودية، يبرز اسم الدكتور الجراح : عبدالله بن عبدالعزيز الربيعة بوصفه أحد أبرز الرموز الطبية التي تجاوز صيتها حدود الوطن، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالأمل في قلوب أسرٍ جاءت من مختلف دول العالم، حاملةً أبناءها من التوائم الملتصقة، راجيةً بعد الله أن تجد على يديه علاجًا يعيد لهم حياةً طبيعية.
لقد سطّر الدكتور عبدالله الربيعة مسيرةً استثنائية في مجال جراحة الأطفال وفصل التوائم الملتصقة، وأسهم مع فريقه الطبي في إجراء عشرات العمليات الدقيقة والمعقدة، التي عُدَّ كثيرٌ منها من الإنجازات الطبية العالمية، لما تتطلبه من دقة متناهية، وتخطيط علمي، وعمل جماعي احترافي.
ولم يكن تميزه نابعًا من مهارته الجراحية فحسب، بل من إيمانه العميق بأن التوفيق أولًا وأخيرًا من الله سبحانه وتعالى، فكان دائمًا يستشعر عظم المسؤولية، ويستعين بالله، ثم يبذل كل ما في وسعه لإنقاذ الطفلين معًا متى كان ذلك ممكنًا من الناحية الطبية، واضعًا نصب عينيه رسالة الطب السامية القائمة على حفظ النفس وبذل أقصى الجهود لخدمة الإنسان.
وقد أصبح البرنامج السعودي لفصل التوائم الملتصقة نموذجًا عالميًا في العمل الإنساني والطبي، واستقبل حالات من دول وقارات متعددة، في صورة مشرقة تجسد ما تقدمه المملكة العربية السعودية من عطاء إنساني لا يعرف حدودًا، وما توليه قيادتها الرشيدة من اهتمام بالإنسان أينما كان.
ولم تقتصر إنجازات الدكتور الربيعة على غرف العمليات، بل امتدت إلى ميادين العمل الإنساني والإغاثي، حيث واصل عطاؤه من خلال قيادة الجهود الإنسانية السعودية، فجمع بين علم الطبيب، ورحمة الإنسان، وإخلاص المسؤول، حتى استحق محبة الناس واحترامهم داخل المملكة وخارجها.
ومن يتأمل سيرته يدرك أن النجاح الحقيقي لا يولد في لحظة، وإنما هو ثمرة سنوات طويلة من الجد والاجتهاد، والتدريب، والبحث العلمي، والعمل الدؤوب. فقد أمضى الدكتور الربيعة عمره في خدمة الطب، مؤمنًا بأن كل مريض أمانة، وأن كل عملية جراحية هي مسؤولية عظيمة تستوجب الإعداد الدقيق، واستنفاد جميع الأسباب العلمية قبل دخول غرفة العمليات.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في شخصيته هو هدوؤه وثقته وتواضعه، وهي صفات يذكرها كل من عمل معه أو عرفه. فكل نجاح يحققه ينسبه أولًا إلى فضل الله تعالى، ثم إلى تكامل الفريق الطبي، مؤكدًا أن الإنجازات الكبرى لا يصنعها فرد واحد، وإنما تصنعها فرق عمل تؤمن برسالتها وتخلص في أداء واجبها.
ولم يكن عطاؤه مقصورًا على أبناء المملكة، بل امتد إلى أطفال من شتى الجنسيات والأعراق والأديان، فلم يكن يسأل عن لون أو لغة أو جنسية، وإنما كان يرى أمامه طفلًا يستحق الحياة، وأسرةً تنتظر بصيص أمل. ولهذا أصبح اسمه معروفًا في دول كثيرة، وأصبحت قصص الأطفال الذين عادوا إلى أوطانهم بعد نجاح عملياتهم مصدر فرح وإلهام لملايين الناس.
وقد كانت المملكة العربية السعودية، بقيادتها الحكيمة، الداعم الأكبر لهذا البرنامج الإنساني الرائد، الذي أصبح أحد أبرز البرامج الطبية المتخصصة في العالم، وجسد الوجه الحضاري للمملكة، ورسالتها القائمة على الرحمة، وخدمة الإنسان، ومد يد العون للمحتاجين دون تمييز.
ولا يمكن الحديث عن الدكتور عبدالله الربيعة دون الإشارة إلى دوره الإنساني الكبير خارج المجال الجراحي؛ فقد أسهم في قيادة العديد من المبادرات الإغاثية والإنسانية، ووصلت مساعداته إلى المتضررين من الكوارث والأزمات في أنحاء متعددة من العالم، ليقدم نموذجًا مشرقًا للطبيب الذي لم يكتف بعلاج المرضى داخل المستشفيات، بل حمل رسالة الإنسانية إلى كل مكان يحتاج إليها.
إن محبة الناس لهذا الرجل لم تأتِ من فراغ، ولم تكن نتيجة شهرة إعلامية أو منصب رفيع، وإنما جاءت ثمرة سنوات طويلة من الإخلاص والعطاء والعمل الصامت. فالقلوب بطبيعتها تنجذب إلى أصحاب الرسالات النبيلة، وإلى من يجعل من علمه وسيلةً لرفع المعاناة عن الآخرين.
وإذا كانت الأمم تفتخر بعلمائها ومخترعيها وروادها، فإن المملكة العربية السعودية تفخر بالدكتور عبدالله الربيعة، الذي أصبح اسمًا لامعًا في المحافل الطبية والإنسانية، وسفيرًا للرحمة قبل أن يكون سفيرًا للطب. لقد أثبت أن الطبيب العظيم ليس من يجيد استخدام مشرط الجراحة فحسب، بل من يحمل قلبًا كبيرًا، وإيمانًا راسخًا، ورسالةً سامية، فيجعل من العلم عبادة، ومن المهنة رسالة، ومن النجاح وسيلة لخدمة الإنسان.
وسيظل اسم الدكتور عبدالله الربيعة حاضرًا في سجل الشخصيات السعودية الخالدة، بوصفه رمزًا للعطاء، وعنوانًا للتميز، وشاهدًا على أن أبناء هذا الوطن قادرون – بعون الله – على بلوغ أعلى مراتب الريادة العالمية، عندما يقترن العلم بالإخلاص، والمهارة بالتواضع، والعمل الصادق بالتوكل على الله سبحانه وتعالى.
………………
ابتسام عبدالعزيز الجبرين
نائب رئيس التحرير



