“غباء الذكاء الاصطناعي… “

“غباء الذكاء الاصطناعي… “
( عندما تكشف الآلة حدود صانعها )
في السنوات الأخيرة، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز إنجازات العصر الرقمي، حتى خُيّل للبعض أنه يقترب من امتلاك عقل مستقل يفوق قدرات الإنسان. لكن مع كل إنجاز جديد، تظهر أخطاء وثغرات تذكرنا بحقيقة لا يمكن تجاوزها: الذكاء الاصطناعي ليس كائنًا عاقلًا، بل منظومة برمجية من صنع البشر، والبشر بطبيعتهم غير معصومين عن الخطأ.
فالذكاء الاصطناعي، رغم اسمه، لا يفكر كما يفكر الإنسان، ولا يمتلك وعيًا أو إدراكًا أو حسًا أخلاقيًا. إنه يعتمد على البيانات والخوارزميات التي صممها الإنسان، ويتعلم من أمثلة سابقة قد تكون ناقصة أو متحيزة أو حتى خاطئة. لذلك، فإن أي خلل في البيانات أو البرمجة قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة أو استنتاجات مضللة.
ومن أبرز مظاهر قصور الذكاء الاصطناعي ما يعرف بـ”الهلوسة”، حيث يقدم معلومات تبدو صحيحة ومقنعة، لكنها في الواقع غير دقيقة أو مختلقة. وقد يستشهد بمراجع غير موجودة، أو يخلط بين أحداث وشخصيات، أو يجيب بثقة على أسئلة لا يملك لها إجابة صحيحة. وهذا يوضح أن الثقة في أسلوب الإجابة لا تعني بالضرورة صحة المعلومة.
كما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تعكس التحيزات الموجودة في البيانات التي تدربت عليها. فإذا كانت البيانات تحتوي على أخطاء أو انحيازات اجتماعية أو ثقافية، فقد تعيد إنتاجها في نتائجها. ولهذا فإن مسؤولية مراجعة المخرجات تبقى مسؤولية بشرية، خاصة في المجالات الحساسة مثل الطب والقانون والتعليم والإعلام.
ولا تتوقف الثغرات عند هذا الحد ، فبعض الأنظمة قد تخطئ في فهم السياق أو السخرية أو المعاني الضمنية، فتفسر النصوص بصورة حرفية، أو تقدم إجابات لا تناسب الموقف. كما يمكن استغلال بعض الثغرات لإقناع النظام بإنتاج محتوى غير دقيق أو مخالف للغرض الذي صُمم من أجله، وهو ما يدفع الشركات المطورة إلى تحديث نماذجها باستمرار.
إن القول بأن الذكاء الاصطناعي “ذكي” لا يعني أنه معصوم من الخطأ. فذكاؤه هو انعكاس لقدرات الإنسان العلمية والهندسية، كما أن أخطاءه وثغراته هي امتداد طبيعي لأخطاء الإنسان وحدود معرفته. فالآلة لا تبتكر قواعدها بنفسها، وإنما تنفذ ما تعلمته وفق ما زودها به مطوروها من بيانات وتعليمات.
ومع ذلك، سيكون من غير الدقيق وصف الذكاء الاصطناعي بأنه “غبي” بإطلاق. فهو يتفوق على الإنسان في مهام عديدة، مثل معالجة كميات هائلة من البيانات، والتعرف على الأنماط، وتسريع عمليات البحث والتحليل. لكنه يظل أداة ذات قدرات وحدود، وليس عقلًا مستقلًا يمتلك فهمًا كاملًا للعالم.
في النهاية، لا يكمن التحدي الحقيقي في أخطاء الذكاء الاصطناعي وحدها، بل في كيفية تعامل الإنسان معها. فالاعتماد الأعمى على الآلة قد يقود إلى قرارات خاطئة، بينما الاستخدام الواعي، القائم على التحقق والمراجعة والنقد، يجعل من الذكاء الاصطناعي وسيلة مساعدة فعالة لا بديلًا عن العقل البشري. وستظل الحقيقة الأهم أن كل تقنية، مهما بلغت من التطور، تحمل بصمة صانعها؛ فإذا كان الإنسان غير كامل، فمن الطبيعي أن تعكس أدواته هذا النقص، مهما بدت متقدمة أو مبهرة.
ابتسام عبدالعزيز الجبرين
نائب رئيس التحرير


