كُتاب الرأي

علاج خارج أرفف الصيدلية

علاج خارج أرفف الصيدلية
………………….

قال لي أحدهم أن هناك علاجا خارج أرفف الصيدليات ! فقلت: اين ؟ وكيف؟!!

فقال: ( ليس كلُّ علاجٍ يُباع في الصيدليات، ولا كلُّ شفاءٍ يُكتب في وصفةٍ طبية، فهناك دواءٌ لا يُحفظ في قارورة، ولا يُقاس بجرعة، ولا تنتهي صلاحيته مع مرور الزمن؛ إنه التوكل على الله، ذلك العلاج الذي يداوي القلوب قبل الأجساد، ويمنح الإنسان قوةً تعجز عنها كثيرٌ من الوسائل المادية.

يعيش الإنسان اليوم في عالمٍ تتزاحم فيه الضغوط، وتتسارع فيه الأحداث، حتى أصبح القلق رفيقًا لكثيرٍ من الناس، ومع كل هذا، يظل القرآن الكريم يفتح بابًا من الطمأنينة لا يُغلق، حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. إنها ليست عبارةً للتسلية، بل وعدٌ إلهيٌّ بأن من جعل ثقته بالله، وتعلّق قلبه به، كفاه الله ما أهمَّه، ودبّر له أمره، وهيأ له من أسباب الخير ما لم يكن في حسبانه.

والتوكل ليس انسحابًا من الحياة، ولا هروبًا من المسؤولية، بل هو أرقى درجات التوازن؛ أن تبذل السبب بكل ما أوتيت من قدرة، ثم تُسلِّم النتائج لمن بيده ملكوت كل شيء. فالمزارع يغرس البذرة، لكنه يعلم أن الله وحده هو الذي يُنبتها، والطبيب يعالج، لكنه يؤمن أن الشفاء من عند الله، والطالب يجتهد، ثم يطمئن قلبه بأن ما كتبه الله له سيأتيه.

ولذلك كان الأنبياء عليهم السلام أعظم الناس توكلًا. قال نوح عليه السلام لقومه: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾، وقال هود عليه السلام: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾، وأمر الله نبيه محمدًا ﷺ بقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. فالمحبة الإلهية منزلة عظيمة، جعل الله من أسبابها صدق التوكل عليه.

إن كثيرًا من أمراض العصر ليست أمراضًا عضوية بقدر ما هي أمراض خوفٍ واضطرابٍ وقلقٍ ويأس. وعندما يمتلئ القلب بالثقة بالله، يهدأ، ويستعيد توازنه، ويصبح أقدر على مواجهة الحياة.

إن أعظم ما يمنحه التوكل للإنسان هو الحرية من الخوف؛ فلا يخاف على رزقه لأن الرزاق هو الله، ولا ينهار أمام المصائب لأنه يعلم أن لكل قدرٍ حكمة، ولا ييأس إذا أُغلقت الأبواب لأنه يؤمن أن الله يفتح أبوابًا لا يراها الناس.

ولعل أجمل ما يُختصر به هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فهذه الآية ليست مجرد وعد بالكفاية، بل هي منهج حياة، يُعلِّم الإنسان أن يربط قلبه بالله قبل أن يربطه بالأسباب، وأن يجعل ثقته بالخالق أعظم من ثقته بالمخلوق.

إننا بحاجة إلى أن نُعيد اكتشاف هذا العلاج الذي لا يُباع في الأسواق، ولا يُصرف بوصفةٍ طبية، ولا تنفد كميته مع كثرة استعماله. إنه علاجٌ يُسكب في القلب، فيملؤه سكينة، ويمنحه يقينًا، ويزرع فيه الأمل مهما اشتدت الأزمات).. انتهى كلامه..

عزيزي القاريء إذا ضاقت بك الدنيا، وتكاثرت عليك الهموم، فابحث عن هذا العلاج خارج أرفف الصيدلية، وستجده في سجدةٍ صادقة، ودعاءٍ مخلص، وقلبٍ أيقن أن الله وحده هو الوكيل، وأنه سبحانه خير حافظًا، وخير معين، وخير من يتوكل عليه
…………

ابتسام عبدالعزيز الجبرين
نائب رئيس التحرير

 

 

ابتسام عبدالعزيز الجبرين

نائبة رئيس التحرير( كاتبة رأي ومؤلفة )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.