سن المرأة لا يعيبها

سن المرأة لا يعيبها
حين تظهر أولى خيوط الشيب في شعر المرأة، قد تشعر بعض النساء أن الزمن قد ترك على ملامحهن علامة لا يمكن إخفاؤها. وقد تنظر إليهن بعض العيون وكأن الشيب انتقص من جمالهن، أو أعلن انتهاء مرحلة من العمر كان ينبغي أن تبقى طويلة.
لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
الشيب لا يعيب المرأة ، ولا ينتقص من عقلها ، ولا يطفئ روحها.
إنه ليس إعلانًا عن انطفاء الجمال ، بل شاهد على سنوات عاشت فيها ، وأيام تجاوزتها ، وتجارب صنعت منها امرأة أكثر وعياً وصلابة ونضجا .
كل شعرة بيضاء قد تحمل وراءها قصة : موقفاً احتاج منها صبرا لم يعرفه أحد ، أو حلما قاتلت من أجله ، أو حزناً أخفته بابتسامة ، أو سنوات من العطاء مرت دون أن تطلب تصفيقا أو ليالي سهرتها بمعاناة .
فلماذا نخجل من أثر الحياة علينا ؟!
إن كان للوجه تجاعيده ، فلأن صاحبه ابتسم وبكى وعاش .
وإن كان في الشعر شيب ، فلأن صاحبه عبر من الأيام ما يستحق أن يروى .
والمرأة لا تفقد قيمتها حين يتغير لون شعرها للأبيض ، كما أنها لا تكتسب قيمتها حين تكون صغيرة .
قيمتها الحقيقية في عقلها الذي ازداد حكمة ، وفي قلبها الذي تعلم كيف يحب ، وفي روحها التي عرفت الحياة ولم تفقد قدرتها على الفرح .
الشباب الحقيقي ليس عمراً يُكتب في بطاقة ، وإنما روح تسكن الإنسان .
كم من امرأة تجاوزت الأربعين والخمسين والستين ، لكنها تدخل الحياة بقلب فتاة ، تضحك من قلبها ، وتحلم ، وتتعلم ، وتبدأ من جديد ، وتمنح من حولها دفئا لا تمنحه أعمار الشباب وحدها.
العمر رقم ، أما الشباب فهو إحساس وروح.
قد يشيب الشعر ، لكن لا يجب أن تشيب الأحلام .
وقد تتغير الملامح ، لكن لا ينبغي أن تنطفئ الدهشة.
وقد تمر السنوات ، لكن يبقى في القلب متسع لبداية جديدة ، وضحكة جديدة ، وحلم جديد .
لذلك ، لا تنظر المرأة إلى شيبها باعتباره عدواً عليها أن تخفيه ، بل تنظر إليه باعتباره فصلًا من سيرتها. وإن اختارت أن تصبغه ، فلتفعل ذلك لأنها تحب التغيير ، لا لأنها تخجل من عمرها . وإن اختارت أن تتركه كما هو ، فلتتركه مرفوعة الرأس ، فليس في مرور العمر ما يستدعي الاعتذار .
أيتها المرأة ، لا تخجلي من السنوات التي صنعتك .
أنت لست شعرك الأبيض . أنت تلك الروح التي قاومت ، والعقل الذي تعلم وأصقلته تجارب الحياة ، والقلب الذي أحب ، والإنسانة التي ما زالت قادرة على أن تمنح الحياة معنى جميل .
دعوا الشيب يمرّ في الشعر ، ولا تسمحوا له أن يسكن الروح .
فأجمل النساء ليست بالضرورة أصغرهن سنا ، وإنما أكثرهن حياة .
الشباب الحقيقي أن يبقى في داخلك شيء لا يشيخ :
قلب يحب من حوله ، وروح تحلم ، وعقل يتعلم ، ونفس تؤمن أن أجمل الأيام قد لا تكون تلك التي مضت ، بل تلك التي لم تأت بعد .
………………..
ابتسام عبدالعزيز الجبرين
نائب رئيس التحرير


