🇸🇦سعودي عاش فيها وانولد🇸🇦

🇸🇦سعودي عاش فيها وانولد🇸🇦
……………….
ليس الوطن مكاناً نعيش فيه فحسب ، بل شيء يسكن فينا.
شيء لا نراه دائما، لكننا نشعر به كلما ابتعدنا. يسكن في رائحة التراب بعد المطر ، في صوت الأذان حين يمر من نافذة مفتوحة ، في لهجة نسمعها صدفة في بلد بعيد ، وفي شارع قديم لا يعرفه أحد سوانا ، لكنه يعرف خطوتنا الأولى .
في اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، لا أجد تعريفاً للوطن أكثر صدقا من أن أقول :
سعودي … عاش فيها وانولد.
وُلد هنا ، وكبر هنا ، وحفظ أسماء أحيائها قبل أن يحفظ أسماء المدن البعيدة. مشى في طرقاتها طفلاً ، وعاد إليها شاباً، وحمل في قلبه شيئا منها كلما غادرها. لم تكن المملكة بالنسبة إليه خريطة بحدود ، ولا اسماً في وثيقة، بل كانت البيت الأول الذي عرف فيه معنى الأمان ، والأرض التي تعلم فوقها كيف تكون للحياة ذاكرة.
هنا وُلدنا.
وهنا كانت أقدام آبائنا قبل أن تكون أقدامنا، وهنا عاش أجدادنا حكاياتهم، وتعبوا، وبنوا، وصلّوا، ودفنوا أحلامهم الصغيرة في هذه الأرض، ثم رحلوا وبقي أثرهم فيها.
حين نمشي في أرض الوطن، نحن لا نمشي فوق تراب عابر.
نحن نمشي فوق ذاكرة.
تحت هذه الأرض خطوات أب حمل أبناءه في يوم من الأيام ، وعرق جد عمل كي يكبر أبناؤه بكرامة، ودعوات أمهات ارتفعت إلى السماء ، وأحلام رجال لم يكن لديهم كثير من الأشياء، لكن كان لديهم وطن يستحق أن يُبنى.
ولذلك ربما لا نفهم قيمة الوطن كاملة ونحن بقربه.
نحتاج أحيانا أن نبتعد.
أن نحمل حقيبتنا ونغادر ، أن نرى مدناً جميلة وبلداناً مختلفة ، وأن نعيش بين وجوه لا تعرف أسماءنا، وشوارع لا تحفظ خطوتنا ، عندها فقط نكتشف أن الوطن ليس ما تركناه خلفنا… بل ما أخذناه معنا دون أن نشعر .
قد تكون في مطار بعيد ، بين آلاف المسافرين ، وفجأة تسمع كلمة بلهجتك، فتلتفت إليها كما يلتفت الغريق إلى طوق نجاة.
وقد تكون في مدينة لا تنام ، وتبحث عيناك عن لون السماء الذي اعتدته، وعن تفاصيل صغيرة لم تكن تعني لك شيئا وأنت في وطنك ، لكنها الآن أصبحت أغلى ما تتمنى رؤيته حين تغيب عنه.
تشتاق إلى بيتك.
إلى فنجان القهوة في صباح سعودي.
إلى جلسة الأهل.
إلى صوت أبيك.
إلى دعاء أمك.
إلى مجلس يجتمع فيه الأقارب دون موعد كبير.
إلى طريق كنت تقطعه كل يوم ولم تدرك أنه كان جزءا من عمرك .
بل قد تشتاق حتى إلى أشياء كنت تظن أنك لا تحبها !
وهنا ندرك الحقيقة العميقة: الوطن لا نشتاق إلى ترابه وحده، بل نشتاق إلى أنفسنا التي كانت تعيش فوق ذلك التراب.
نشتاق إلى النسخة الأولى منا.
إلى الطفل الذي ركض في أزقته، وإلى الشاب الذي رسم مستقبله تحت سمائه، وإلى الأيام التي لم نكن نعرف قيمتها إلا بعد أن أصبحت ذكرى.
وما أجمل أن يكون للإنسان وطن إذا ابتعد عنه شعر أن جزءا من قلبه ما زال هناك.
المملكة العربية السعودية ليست بالنسبة لنا وطنا نحتفل به في يوم واحد ، بل وطن يمتد معنا في كل أيام العمر .
في أسمائنا، وفي لهجتنا، وفي ذاكرتنا، وفي دعائنا.
وحين نقول: (وطني) فنحن لا ننطق كلمة مجردة، بل نستدعي وجوهاً وأماكن وذكريات.
نستدعي أباً عاش عمره على هذه الأرض.
وجداً سبقنا إليها.
وأماً كانت تنظر من نافذة بيتها وتدعو لأبنائها.
نستدعي معلماً علمنا أول حرف ، ورفيقا شاركنا سنوات الطفولة، ومسجدا عرفنا فيه معنى الطمأنينة، وحياً شهد أول طفولتتا وأحلامنا.
كل هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل الوطن كبيرا في القلب.
ولعل أجمل ما في انتمائنا لهذه الأرض أننا لم نأت إليها عابرين.
نحن امتداد لمن سبقونا.
نحن أبناء آباء وأجداد كانت هذه الأرض قصتهم ، فصارت قصتنا.
وفي كل مرة نعود فيها إلى الوطن بعد غياب ، نشعر بشيء لا تستطيع الكلمات أن تشرحه.
نشعر أن الأرض تعرفنا.
أن الهواء مألوف.
أن الوجوه تشبه شيئا في داخلنا.
أن الطريق إلى البيت، مهما طال، يعرف كيف يقود القلب قبل أن يقود السيارة.
نعود، فنكتشف أن الوطن لم يكن ينتظرنا في المكان فقط، بل كان ينتظرنا في داخلنا.
وفي اليوم الوطني، ربما لا نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا: لماذا نحب وطننا؟
فبعض الأشياء لا تحتاج إلى تفسير.
نحن نحبه لأن آباءنا أحبوه.
ولأن أجدادنا عاشوا فيه.
ولأن طفولتنا مرت من هنا.
ولأن أول دعاء حفظناه ارتفع من بيوت على هذه الأرض.
ولأن أول حلم راودنا كان تحت سمائه.
ولأننا، ببساطة، سعوديون… عشنا فيها وانولدنا.
هذه الأرض ليست صفحة في كتاب حياتنا.
إنها الكتاب كله.
فكل عام والمملكة العربية السعودية وطن عزيز ، وكل عامٍ ونحن أكثر إدراكاً لقيمة الأرض التي احتضنت آباءنا وأجدادنا، وستحتضن أبناءنا وأحفادنا من بعدنا.
وكل عام ونحن إذا ابتعدنا عنها، اشتقنا إليها.
وإذا عدنا إليها، شعرنا أننا لم نعد إلى مكان فقط…
بل عدنا إلى أنفسنا.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وحفظ أرضها وأهلها، وأدام عليها أمنها وعزها، وجعل في قلوب أبنائها دائما ذلك الشعور الجميل الذي لا يحتاج إلى مناسبة احتفاء ( يوم وطني واحد ) بل هو وطن يمتد معنا في كل أيام العمر .
فهذا الوطن له مكانا في القلب… لا يزاحمه فيه شيء .
………………….
ابتسام عبدالعزيز الجبرين
نائب رئيس التحرير



