“واطوِ عنا بُعده “

“واطوِ عنا بُعده “
……………
دعاء السفر “واطوِ عنا بُعده ” دعاء جميل يحمل بين حروفه رجاءً من الله بأن يختصر لنا في سفرنا المسافات الطويلة ، ويطوي لنا الأرض حتى نصل سالمين إلى وجهتنا . ولم يكن هذا الدعاء وليد المبالغة ، بل كان نابعًا من واقعٍ عاشوه أجدادنا وآبائهم بكل تفاصيله، حين كانت الأسفار رحلةً شاقة تستغرق أسابيع ، بل وربما أشهرًا طويلة، يقطعها الناس على ظهور الإبل أو الخيل، أو سيرًا على الأقدام، يواجهون خلالها لهيب الصحراء، وشدة البرد، ومخاطر الطريق، وقلة الماء، ووحشة السفر.
أما اليوم، فقد أصبح ذلك الدعاء يتجسد أمام أعيننا بصورة لم يكن يتخيلها الأقدمون . فبفضل الله تعالى أولًا ، ثم بما هيأه لعباده من أسباب العلم والتقدم، أصبحت المسافات البعيدة تُطوى في ساعات معدودة. فمن كان يحتاج إلى شهور ليبلغ أقصى الأرض، أصبح الآن يصل إليها وهو لم يكد ينهي قراءة كتاب على متن الطائرة.
إنها نعمة عظيمة تستحق منا التأمل والشكر ، فنحن نغادر وطننا مع إشراقة الصباح ، ونكون في قارة أخرى قبل غروب الشمس ، بل إن بعض الرحلات العابرة للقارات لا تستغرق سوى بضع ساعات مقارنة بما كان يعانيه السابقون من عناء ومشقة.
وليس الأمر مقتصرًا على سرعة الوصول فحسب ، بل تعداه إلى ما وفرته وسائل النقل الحديثة من راحة وأمان، وتعدد في الخيارات، ودقة في المواعيد ، حتى أصبح السفر متعة بعد أن كان معاناة ، وأصبح لقاء الأحبة أمرًا يسيرًا بعد أن كان أمنية قد لا تتحقق إلا بعد زمن طويل.
ومن يتأمل هذه النعمة يدرك أن كثيرًا مما نعده اليوم أمرًا اعتياديًا كان في زمنٍ مضى حلمًا بعيد المنال . ولذلك فإن الواجب علينا ألا نألف النعمة حتى ننساها، بل نستحضر فضل الله علينا في كل رحلة، وأن نحمده سبحانه الذي سخر لنا ما لم يكن في حسبان البشر قبل عقود قليلة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، وهذه الوسائل الحديثة واحدة من نعم الله التي تستوجب دوام الشكر، فكلما صعدنا إلى طائرة، أو ركبنا قطارًا سريعًا، أو انطلقنا في طريقٍ ممهد ، فلنتذكر أن أجيالًا قبلنا كانت تتمنى بعض ما نملكه اليوم.
فلنحمد الله على نعمه الظاهرة والباطنة ، ولنجعل من كل رحلة فرصة لتجديد الشكر والثناء، فما أعظم فضل الله على عباده ، وما أصدق دعاء الأجداد: “واطوِ عنا بُعده ” فقد طوى الله لنا الأرض بفضله ، ويسر لنا الأسباب ، وأسبغ علينا من نعمه ما يستوجب الحمد آناء الليل وأطراف النهار .
…………….
ابتسام عبدالعزيز الجبرين
نائب رئيس التحرير


