بنت الساحر الحلقة الأخيرة

بنت الساحر الحلقة الأخيرة
تنظر الدكتورة وديان إلى الملف المفتوح أمامها، وتتأمل العبارة التي خطّها الطبيب السابق: ذهان طفولي مبكر – هلاوس سمعية وبصرية ونوبات فزع.
في هذه اللحظة بالذات، يمر في عقل وديان ذلك الصراع الأزلي الذي يواجه كل طبيب نفسي مخلص؛ صراع يدور بين خيارين كلاهما مرّ:
خيار المصنع الروتيني: أن تعتمد التشخيص الجاهز وتكتفي ببناء خطة علاجية دوائية سريعة بناءً عليه. هذا الخيار يوفر نصف الوقت، ويرضي إدارة المستشفى التي تقيس الكفاءة بعدد المراجعين الذين تم “فحصهم وتفريغهم” من صالة الانتظار المكتظة، مما يسمح بمقابلة أكبر عدد ممكن من الحالات في اليوم الواحد.
أو خيار “التصفير والتقصّي أن تغلق تقارير الأطباء السابقين مؤقتاً، وتمنح المراجع وقتاً أطول وضِعف الساعات المخصصة له، لتقييم الحالة من نقطة الصفر بأدواتها الخاصة. هو خيار مجهد، يراكم المراجعين خلف الباب ويحمل مغامرة السير عكس عقارب الساعة، لكنه الطريق الوحيد لحماية طفل بريء من “وصمة” مرض عقلي مزمن قد تلتصق به طوال حياته لمجرد أن طبيباً سابقاً كان مستعجلاً!
بالنسبة لوديان، لا مكان للحلول الوسط عندما يتعلق الأمر بطفلة في الخامسة. أغلقت الملف، وأخذت نفساً عميقاً، وقررت أن تبدأ من الصفر.
دعت الدكتورة وديان الأم للدخول بمفردها أولاً، لتقييم البيئة المحيطة قبل رؤية الطفلة.
دخلت الأم بخطوات متوترة،كعبها يصرخ في كل مكان، مسرفةً في كل شيء؛ من الزي الفاخر والمكياج المكتمل، إلى الحقيبة الثمينة والنظارة السوداء الضخمة التي ترتديها داخل المبنى، في حيلة تخفٍّ مكشوفة لإخفاء ملامح ذنب أو قلق عميق أو جاسوس.
الأم (تتحدث بتوتر) دكتورة.. أرجوكِ ساعديني، ابنتي وسيلة مجنونة! الطبيب قال إنها حالة ذهان واضحة. إنها تتحدث مع الجدران، وتدعي وجود كائنات مرعبة في غرفتها! أنا لا أنام الليل، وحياتي تدمرت بسببها.
د. وديان: (بنبرة هادئة ومطمئنة) اهدئي يا سيدتي.. التشخيصات الأولية غالباً ما تكون متسرعة. أخبريني بهدوء، ماذا تفعل وسيلة بالضبط؟ وما هي طبيعة هذه الكائنات؟
الأم:تطلق عليه اسماً غريباً.. “جساس”! تزعم أنه كائن ضخم ذو فرو وعيون لامعة يجلس على سريرها. والأدهى من ذلك يا دكتورة، أنها في بعض الليالي تصرخ وتدعي أن هناك ظلالاً سوداء طويلةً في المطبخ تريد التهامها. هل هذا فصام؟ هل هو مرض عقلي متوارث؟ لابد أنه من جهة أبيها؟!
د. وديان:(تراقب لغة جسد الأم وانشغالها المتكرر بهاتفها) هل تلاحظين هذه التخيلات في أوقات معينة؟ وكيف هي الأجواء في المنزل عادةً؟
الأم: الأجواء عادية كأي بيت! هناك بعض المشاكل والصراخ بيني وبين والدها، لكن هذا طبيعي. المهم الآن هو وسيلة، أريد حلاً، أريد دواءً يوقف هذه الخيالات فوراً، لم أعد أحتمل!
د. وديان:الدواء ليس الخطوة الأولى دائماً. تفضلي بالانتظار في الخارج الآن، وادعي “وسيلة” لتدخل إلي بمفردها.. دعينا نرى العالم من عينيها أولاً.
تخرج الأم، وتدخل الطفلة وسيلة (5 سنوات) طفلة بشعر طويل مُسّرح ثياب نفيسة عينان زرقاوان بلون الأفق ، تعانق دمية قماشية بشدة. أخرجت الدكتورة وديان أوراقاً للرسم وألواناً خشبية وفرشتها أمامهما.
د. وديان: (تبتسم بلطف وهي ترسم شجرة على الورقة دون أن تحدق في الطفلة مباشرة) مرحباً يا وسيلة.. أنا أحب الرسم، هل تحبين الرسم مثلي؟ لوني المفضل هو الأخضر، ما هو اللون المفضل لديكِ؟
وسيلة: (تتحدث ببطء وتردد) الوردي.
د. وديان:(تمد لها قلماً وردياً وعيناها على الورقة) تفضلي.. هل يمكنكِ رسم زهرة صغيرة بجانب شجرتي؟
تأخذ القلم وتبدأ بالرسم بصمت لثوانٍ
د. وديان:رسمة جميلة جداً! زهرتكِ تبدو سعيدة.. أخبرتني ماما أن لديكِ أصدقاء مميزون جداً لا يراهم غيركِ. هل هذا صحيح؟
وسيلة: (تهمس وهي تنظر للورقة) تقصدين “جساس”؟
د. وديان: نعم، ربما جساس.. اسم قوي! هل يمكنكِ أن تخبريني عنه؟ هل هو طفل مثلكِ يلعب بالدمى، أم شيء آخر؟
وسيلة:جساس ليس طفلاً.. هو كبير جداً، ولديه فرو كثيف، وعينان تلمعان في الظلام كأنهما نجوم .
د. وديان:(بنبرة هادئة ومتقبلة تماماً، دون إظهار أي استغراب) واو، يبدو كبيراً وقوياً حقاً. هل يزوركِ في الصباح حين تلعبين، أم في الليل؟
وسيلة: في الليل فقط. عندما ينطفئ النور وتصبح الغرفة مظلمة، يخرج من الخزانة ويجلس على حافة سريري.
د. وديان: وهل تخافين منه يا وسيلة؟ هل يزعجكِ وجوده؟
وسيلة: (تهز رأسها نفياً بقوة وتضم دميتها) لا.. هو يحميني.
د. وديان: يحميكِ؟ هذا رائع أن يكون لديكِ حارس شخصي. من ماذا يحميكِ جساس؟
وسيلة: من الأصوات العالية.
د. وديان: (تتوقف عن الرسم للحظة) أي أصوات يا وسيلة؟ هل تسمعين أصواتاً غريبة داخل غرفتكِ؟
وسيلة: لا، الأصوات تأتي من الصالة. عندما يصرخ بابا على ماما بصوت مخيف وتبدأ ماما بالبكاء. أنا أغمض عيني بقوة تحت اللحاف، فيأتي جساس ويضع يديه الكبيرتين ذواتي الفرو على أذني حتى لا أسمع شيئاً.
د. وديان: (تسجل ملاحظة ذهنية تؤكد حدسها الأولي حول القلق النفسي والبيئة المضطربة) فهمت الآن.. جساس صديق طيب وشجاع إذن، لقد جاء ليساعدكِ. هل يتحدث معكِ؟ ماذا يقول لكِ؟
وسيلة: لا يتكلم كثيراً.. فقط يخبرني أن أنام، وأن كل شيء سيكون بخير غداً في الصباح.
د. وديان:(تبتسم بحنان) إنه صديق رائع.. وماذا عن “الظل الأسود الطويل” الذي أخبرتِ ماما أنكِ ترينه في المطبخ ويخيفكِ؟
وسيلة: (تتوقف عن الرسم وتنظر للدكتورة بجدية وانزعاج طفولي) هذا ليس وحشاً، هذه الشجرة التي خارج نافذة المطبخ! عندما يتحرك الهواء بقوة في الليل، يبدو ظل أغصانها على الحائط كأنه يد طويلة بأصابع مخيفة. حاولت أن أشرح لماما، لكنها كانت مشغولة بالهاتف، وصرخت بي: “أنتِ مريضة وتتخيلين أشياء غير موجودة!”.
د. وديان:(تربت على كتفها بلطف شديد) أنتِ لستِ مريضة أبداً يا وسيلة، وأنتِ طفلة ذكية جداً لأنكِ اكتشفتِ أنه مجرد ظل للشجرة بسبب الرياح، ولستِ خائفة منه حقاً. ما رأيكِ أن نرسم جساس الآن؟
حدقت بها وسيلة، وقد توقفت يدها الصغيرة عن الرسم، وقالت بنبرة التمعن: “وُدي.. ألا زلتِ تحبين الرسم؟”
هنا.. توقف عقل وديان عن التفكير تماماً. ساد صمت مطبق جمد الهواء في الغرفة. “وُدي!”.. هذا الاسم السري المدلل لم ينطق به بشر منذ سنوات طويلة.. وحده أبوها الراحل كان يناديها به.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، ونطقت بصوت خافت متهدج كالمغيب: “أبي؟!”
تابعت وسيلة بنبرة هادئة، دافئة، غلفتها سكينة لا تشبه نبرة الأطفال: “نعم أنا هو.. لطالما أزعجوك أطفال القرية بلقب بنت الساحر ولكنكِ أصبحتِ طبيبة كبيرة، حولتِ قيودهم الي متاريس ترتقين بها وأصبحتُ فخوراً بكِ يا وُدي. ارفقي بهذه الفتاة الصغيرة يا حبيبة قلب أبيها، فلقد تعرضت للكثير..”
مسحت على خد وديان ثم انحنت وعادت ترسم بهدوء غريب كأن شيئاً لم يكن.
تسمّرت وديان في مكانها، تلاشت الحدود بين الواقع والماوراء أمام عينيها المذهولتين. دمعت عيناها، وانحدرت عبرة حارة غسلت سنوات التعب الروتيني، وهمست بنبرة مشحونة بالامتثال والعهد: “أبشر يا أبي..”
انتظرت وديان حتى انتهت وسيلة من رسمتها وغادرت العيادة رفقة والدتها. بقيت لعدة دقائق وحدها في الصمت، تستجمع شتات روحها الزاخرة بالذهول، والرجفة لا تفارق كفيها. وضعت يدها على قلبها الذي يقرع بعنف، ثم ببطء شديد، أمسكت بقلمها، وضغطت عليه لتثبّت أناملها المرتعشة، ودونت بتوقيعها تشخيصها النهائي الواثق:
(الطفلة سليمة عقلياً تماماً، وما تعاني منه هو آلية دفاعية بريئة وأصدقاء وهميون Imaginary Friends لابتلاع الصدمات المنزلية.. والحل يبدأ بـ “علاج الأسرة” لا بـ “علاج الطفلة”).
بقلم علي الماجد

