أمريكا، اختزال العالم

أمريكا، اختزال العالم
أمريكا، مع انطلاق منافسات كأس العالم لكرة القدم على الأراضي الأمريكية، لن أستفيض في الحديث عن حفاوة الاستقبال، ولا عن الترتيبات اللوجستية حول الملاعب. فحين اشتكى المنتخب السويسري مؤخراً من انتشار الثعابين حول مقر إقامته، كدت أسمع الرد البيروقراطي الأمريكي البارد يتردد في الأفق: “هذه زواحف محلية صديقة للبيئة ولها حقوق ملكية، تفرغوا أنتم لصناعة الساعات والشوكولاتة، ودعوا الأمن لأهله!”.
هذه الإجابة تختزل فلسفة الدولة بأكملها؛ الدولة التي تأسست على يد الرجل الأوروبي الذي ما زال يدعي بكل ثقة أنه “اكتشفها”! ولا أدري كيف يجرؤ عاقل على ادعاء اكتشاف أرضٍ ينبض فيها بشرٌ قبله بقرون؛ يزرعون، ويصطادون، ويتناسلون؟ وأقصد هنا طبعاً السكان الأصليين، وليس ذلك الاسم المعلب الذي اخترعه لهم كولومبوس الضائع وهو “الهنود الحمر”؛ فهم ليسوا هنوداً، ولم تكن ألوانهم حمراء، بل كانت بوصلة المستكشف هي العطلانة!
لكن الأوروبي وصل، وأعلن الاكتشاف، ثم حشر أصحاب الأرض في محميات مقفرة. ومن هذا المنطق العجيب، يكفي اليوم أن يقتحم أي مصارع مفتول العضلات والشوارب قصراً منيفاً، ليقطن فيه ويدعي أنه “اكتشفه”، ثم يحشر أهله الفعليين في غرفة السائق!
وعلى أنغام هذا الاحتلال العضلي، نشأت المستعمرات وتمددت حتى حكمها الإنجليز. وهنا ثار الأوروبي “الأمريكي” على الإنجليزي ناعتاً إياه بالمستعمر البغيض، والطريف هنا أنه بمجرد أن طرده وحكم بدلاً منه، اتبع ذات أسلوب مستعمره القديم بحذافيره في إدارة وتأسيس الحكم الجديد!
وحين “توهق” القوم في اختيار اسم يليق بدولتهم الوليدة، واحتاروا هل يسمون أنفسهم بالإنجليز الجدد على نمط “نيويورك” و”نيومكسيكو”، انتهى بهم المطاف بتبني اسم وضعه رسم خرائط ألماني تكريماً لمستكشف إيطالي يدعى “أمريغو”، لتصبح دولتهم “أمريكا”.. دولة بلا اسم أصيل، وبلا أب شرعي في الجغرافيا!
أما الأب المؤسس، جورج واشنطن، فقد تجلت عبقريته في صياغة الكوميديا السوداء؛ إذ أصر بروح أدبية عالية على خط وثيقة تؤكد أن “البشر جميعاً ولدوا سواسية وأحراراً”، بينما كانت عيناه ترقب بامتنان ستمائة عبدٍ يكدحون في مزارعه الخاصة تحت لهيب السوط!
حتى ثقافة الاستهلاك التي يملؤون بها الدنيا ضجيجاً ليست سوى تجميع لابتكارات الآخرين؛ فالبرغر ألماني المولد، والهوت دوغ نمساوي المنشأ، والبيتزا إيطالية الهوية. وحتى ألعابهم الرياضية المفضلة؛ فكرة المضرب تحوير للتنس والكريكيت، والفوتبول ابن شرعي للرجبي الإنجليزي، أما كرة السلة فقد اخترعها طبيب كندي لمجرد تسلية طلابه داخل الصالة هرباً من صقيع الشتاء.
لكن، لكي نكون منصفين، فإن القوة الحقيقية لأمريكا لا تكمن في أصالتها، بل في قدرتها الهائلة على “القرصنة الذكية”؛ تستقطب أفكار العالم، تختار أفضلها، ثم تعيد تدويره وتغليفه وتقديمه للعالم كمنتج أمريكي خالص.. ولعل هذا التطفل المبتكر هو اللب الحقيقي لحضارة الوجبات السريعة والميكروفونات.
علي الماجد

هناك شعور عام لدي أغلب الناس بمختلف جنسياتهم أو على مستوى إختلافات ثقافاتهم…. بأن الكثيرين يعتقدون أن ” كأس العالم2026″ هو أسوأ تنظيم قبل أن تنتهي دورته.