كُتاب الرأي

هل تجرؤ

هل تجرؤ

قرأت قصة رمزية للأديب اللبناني جبران خليل جبران في كتابه «المجنون»، وخلاصتها أن الحواس الخمس خرجت في نزهة، فرأت العين جبلًا، فقالت لبقية الحواس:
“إنني أرى وراء هذه الأودية جبلًا مكللًا بالغيوم، فما أجمله!”
فردّت الأذن: لا أسمع الجبل.
وقال اللسان: لا أتذوق الجبل.
وقال الأنف: لا أشم الجبل.
وقالت اليدان: لا ألمس الجبل.
وفي النهاية، قررت جميع الحواس أن العين قد خرجت عن صوابها، بينما ضحكت العين في سرّها من بقية الحواس.
هذه القصة ترمز إلى من يدرك أمرًا لا يدركه الآخرون، رغم قربهم منه، وهذا يدل على مستوى مختلف من الوعي أو الإدراك لما يحدث حوله. وقد تكررت هذه الفكرة بأشكال متعددة عبر العصور؛ إذ كثيرًا ما يُقابل من يطرح فكرة جديدة بعدم الفهم أو بالرفض.
فعلى سبيل المثال، لاحظ الطبيب المجري اجناتس سملفيس ارتفاع حالات الوفاة بين الأمهات أثناء الولادة، فاقترح أن يقوم الأطباء بتعقيم أيديهم بالجير المكلور قبل إجراء العمليات. وبالفعل، انخفضت نسبة الوفيات بشكل كبير، لكن فكرته قوبلت بالرفض؛ لأن الأطباء آنذاك كانوا يُعدّون من طبقة النبلاء، ولم يتقبلوا فكرة أن أيديهم قد تكون سببًا في نقل العدوى، خاصة أن الجراثيم لم تكن قد اكتُشفت بعد فهاجموه  قائلين كيف تجرؤ ان تصف ايدنا الطاهرة بالقذرة ؟
وكذلك عالم الأرصاد والجيوفيزياء ألفريد فغنر، الذي لاحظ التشابه بين سواحل إفريقيا وأمريكا الجنوبية، فاقترح نظرية انجراف القارات، لكنه قوبل بالسخرية في الأوساط العلمية كيف تجرؤ؟!
كما طرح العالم لودفيغ بولتزمان فكرة الذرات قبل أن تحظى بقبول واسع، ولم يؤخذ بها في زمانه. وكذلك نيكولا تسلا، الذي مات فقيرًا بعد صراع مع إديسون حول التيار المتردد، والعالم الإيطالي غاليليو غاليلي، الذي عارض الفكرة السائدة بأن الأرض مركز الكون. عارضته الطبقة الدينية قائلة كيف تجرؤ؟!
أما بالنسبة لي، فلم يعد سر بناء الأهرامات المصرية غامضًا؛ إذ توصلت، بعد بحثي، إلى أن الفكرة الأقرب هي استخدام نوع من الخرسانة: خليط من الرمل ومواد كيميائية والجص، يُصب في قوالب خشبية ليأخذ شكل الكتل الحجرية. وقد كتبت هذه الفكرة في إحدى رواياتي، وقبل طرحها بحثت عنها، فوجدت أن عالم المواد الفرنسي جوزيف دافيدوفيتس طرح نظرية مشابهة في سبعينيات القرن الماضي، تُعرف بنظرية الأحجار المصبوبة (الجيوپوليمر)، مستدلًا بوجود فراغات وأصداف مطحونة داخل بعض الكتل، إلا أن هذه النظرية لم تحظَ بإجماع علمي حتى الآن. مفضلين فكره تحريك حجر يزن اطنان من مسافات بعيده على رمل!؟ وانا اتخيل العلماء المصريين يقولون لي كيف تجرؤ؟! عموما ليس من السهل أن تنفرد برأيك وسط عالم يعتقد العكس، أنا جربت كتابة لون مختلف مثل روايات الجريمة والغموض والدراما والأدب الساخر ولاحضت أن الجمهور يرغب في روايات واقعية كما يحدث في بيوت جيرانهم. هذا ليس بمقال ذا توجه واضح بل أقرب إلى التساؤل. واختم بمقولة أيضا لجبران حيث قال ( ما اغربني حين اشكو ألماً فيه لذتي). وهنا صراع داخلي مابين ايجاد الذات أو الماهية مع الجمع، فهل تجرؤ؟

بقلم علي الماجد

 

المهندس علي محمد الماجد

أديب وكاتب في الأدب الساخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.