كُتاب الرأي

أزمة الثقة

أزمة الثقة

كيف استنزفت طهران فرص السلام؟

بينما تتعثر المسارات التفاوضية وتستمر حالة عدم اليقين التي تلقي بظلالها على أمن الملاحة والطاقة والاقتصاد العالمي، يتجه كثير من المراقبين إلى قراءة الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الراهنة بوصفها نتيجة لمسار طويل من السياسات التي راكمت التوتر وأضعفت الثقة واستنزفت فرص التسوية على مدى سنوات متعاقبة.

تكمن المشكلة الأساسية في أن الثقة بين الدول لا تبنى بالتصريحات ولا بالاتفاقات المؤقتة وحدها، وإنما تبنى عبر سلوك استراتيجي مستقر يمكن التنبؤ به. وعندما تتكرر الأزمات وتتسع فجوة الشكوك وتتأخر المعالجات الحاسمة، تتحول أزمة الثقة نفسها إلى عامل مؤثر في صناعة القرار السياسي والأمني والعسكري.

من هذا المنطلق، ترى دوائر سياسية وأمنية عديدة أن جانبًا مهمًا من الأزمة الحالية يرتبط بالنهج الثوري التخريبي الذي تبناه النظام الإيراني منذ عقود، والقائم على توسيع النفوذ الإقليمي عبر الأذرع المسلحة والجماعات الإرهابية والإجرامية والجاسوسية المنظمة المرتبطة بالحرس الثوري في عدد من الساحات. ووفق هذا التقييم، لم يؤد هذا النهج إلى بناء استقرار مستدام، بل أسهم في إطالة النزاعات، وتعقيد مسارات التسوية، ورفع مستويات المخاطر التي تواجه أمن المنطقة، والملاحة الدولية، وإمدادات الطاقة العالمية.

خلال السنوات الماضية لم تكن فرص التسوية غائبة، بل تعددت المبادرات والوساطات والمسارات الدبلوماسية. غير أن استمرار إدارة الخلافات بمنطق الصراع الممتد، وتأجيل معالجة الملفات الجوهرية، والإبقاء على أدوات النفوذ المسلحة كوسيلة ضغط إقليمية، أدى إلى استنزاف جانب مهم من رصيد الثقة الذي تحتاجه أي تسوية قابلة للحياة. ومع كل فرصة ضائعة كانت الشكوك تتزايد، وكانت احتمالات الاحتواء تتراجع خطوة إضافية إلى الخلف.

من الناحية الاستراتيجية، لم تعد المشكلة مقتصرة على الملف النووي أو القدرات العسكرية الإيرانية بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على الاطمئنان إلى أن أي اتفاق مستقبلي سيقود فعلًا إلى تغيير السلوك الذي أنتج الأزمة. ولهذا السبب لم تعد كثير من العواصم تناقش تفاصيل الاتفاقات المحتملة فقط، بل تناقش أيضًا مدى استدامتها وقابليتها للصمود أمام اختبارات المستقبل.

هنا تتضح العلاقة المباشرة بين السياسات الثورية وأزمة الثقة والحرب الراهنة. فعندما تتوسع ساحات الوكلاء المسلحين، وتتكرر الأزمات دون حلول نهائية، وتتآكل الثقة عامًا بعد عام، تصبح المواجهة نتيجة متوقعة أكثر من كونها مفاجأة. ولذلك لا يرى كثير من المحللين أن الحرب الحالية تمثل بداية الأزمة، بل يعدونها إحدى نتائجها المتأخرة وحصيلة تراكمات كان يمكن احتواؤها لو اتجهت السياسات نحو بناء الثقة بدل إدارة الصراع.

لم تعد الأزمة الراهنة نزاعًا حول برنامج نووي أو خلافًا على بنود تفاوضية فحسب، بل أصبحت اختبارًا لنتائج مشروع سياسي وأمني امتد لعقود. وعندما يُستخدم النفوذ الإقليمي عبر الوكلاء الإرهابيين المسلحين بدل الشراكات المستقرة، وتُؤجل التسويات الجوهرية عامًا بعد عام، فإن فقدان الثقة يصبح نتيجة طبيعية، وتصبح المواجهة نتيجة متوقعة أكثر من كونها مفاجأة.

ولهذا فإن أخطر ما يواجهه النظام الإيراني اليوم ليس الضغوط العسكرية أو العقوبات الاقتصادية وحدها، بل فقدان الثقة الذي صنعته سياساته عبر سنوات طويلة؛ لأن الاتفاقات يمكن توقيعها في أيام، أما استعادة الثقة بين الدول فقد تحتاج أعوامًا كاملة.

الأزمات الكبرى لا تبدأ يوم اندلاع الحرب… بل تبدأ يوم تُهدر فرص السلام الواحدة تلو الأخرى.

اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي

الخميس (21) مايو 2026م .

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.