كُتاب الرأي

مرجُ البحرين

مرجُ البحرين

في هذا الكون آياتٌ تمشي إلى القلب قبل العين، وتوقظ في الإنسان دهشةَ التأمل كلما ظنّ أنه أحاط بشيءٍ من أسرار الحياة.
ومن أعجب تلك الآيات وأبهاها قوله تعالى:
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ۝ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾.
آيةٌ قصيرة المبنى، عظيمة المعنى، تحمل من الإعجاز ما يجعل العقل واقفًا على شاطئ التأمل، مأخوذًا بجلال الخالق ودقة صنعه.

ومعنى “مرج البحرين” أي أرسل البحرين وأطلقهما يلتقيان في مشهدٍ مهيب، أحدهما عذبٌ فرات، والآخر ملحٌ أجاج، ومع ذلك يبقى لكلٍّ خصائصه وطبيعته، وكأن بينهما حاجزًا خفيًّا لا تُدركه الأبصار بسهولة.
وقد كشف العلم الحديث عن مناطق فاصلة بين البحار والأنهار، تختلف فيها الكثافة والحرارة والملوحة، فتظل المياه متجاورة دون أن يطغى أحدها على الآخر طغيانًا كاملًا، في صورةٍ تُجسد روعة التوازن في هذا الكون.

غير أن جمال الآية لا يقف عند حدود التفسير العلمي، بل يتجاوز ذلك إلى أفقٍ أعمق من المعاني الإنسانية والروحية، فكم في الحياة من “بحرين” يلتقيان دون أن يذوب أحدهما في الآخر؛ العقل والقلب، القوة والرحمة، الصمت والكلام، الحلم والواقع، وبين هذه الثنائيات جميعًا برزخٌ من الحكمة يحفظ الاتزان ويمنع الفوضى.

إن الإنسان حين يتأمل هذا النظام البديع يدرك أن الكون لا يقوم على الصدام، بل على التوازن، فاختلاف الأشياء لا يعني تناقضها، بل قد يكون سرّ بقائها وجمالها، فالبحر العذب لا يُفسد الملح، والملح لا يبتلع العذب، بل يمضي كلٌّ منهما في قدره الذي أراده الله له، وهكذا ينبغي للناس أن يتعايشوا رغم اختلاف طبائعهم وأفكارهم، لأن الحكمة ليست في إلغاء الآخر، بل في معرفة الحدود التي تحفظ للنفوس صفاءها وللحياة انسجامها.

ولعل أعظم ما تمنحه هذه الآية للروح هو الشعور بعظمة الخالق سبحانه؛ فكل موجةٍ تمضي بأمره، وكل قطرةٍ تعرف موضعها في هذا الكون الواسع، وما الإنسان إلا مسافرٌ صغير في بحر الحياة، كلما ازداد تأملًا ازداد يقينًا أن وراء هذا الإبداع قدرةً لا يحدها وصف.

فـ“مرج البحرين” ليست مجرد صورة كونية مدهشة، بل رسالةٌ خالدة تُعلّم الإنسان أن التوازن سرُّ الجمال، وأن الاختلاف حين تضبطه الحكمة يتحول إلى انسجامٍ يسبّح بحمد الخالق في صمت البحار وهيبتها.

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

الدكتور دخيل الله عيضه الحارثي

أديب وشاعر سعودي ومشرف ومحرر زاوية (ومضة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.