كُتاب الرأي

بين الهوية الثقافية وسوق العمل .. أين تقف الجامعات؟

 

بين الهوية الثقافية وسوق العمل .. أين تقف الجامعات؟

 

د. دخيل الله عيضه الحارثي

إنّ قرار إلغاء أو تقليص أقسام العلوم الإنسانية في بعض كليات جامعة الملك سعود بحجة التركيز على التخصصات التي يتطلبها سوق العمل يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول وظيفة الجامعة ودورها الحقيقي في المجتمع.
فهل الجامعة مجرد مؤسسة لإنتاج خريجين جاهزين لسوق العمل؟ أم أنها أيضًا فضاء لصناعة الوعي، وحفظ الهوية، وتطوير الفكر والثقافة؟

لا شك أن مواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل هدف مهم وضروري، خصوصًا في ظل التحولات الاقتصادية السريعة وتغير طبيعة الوظائف، غير أن اختزال الجامعة في هذا الدور وحده يؤدي إلى إفقار رسالتها، فالعلوم الإنسانية – من تاريخ وفلسفة وأدب وعلم اجتماع – ليست ترفًا معرفيًا، بل هي التي تمنح المجتمع القدرة على فهم ذاته، وبناء وعيه، والحفاظ على هويته الثقافية.

إن تراجع هذه التخصصات أو تهميشها قد ينعكس سلبًا على البنية الثقافية للمجتمع، فحين تضعف دراسة التاريخ والأدب والفكر، تتراجع القدرة على النقد والتحليل، ويزداد الميل إلى الاستهلاك المعرفي السريع بدلًا من الإنتاج الفكري العميق، كما أن ذلك قد يخلق فجوة في الوعي بالهوية، ويضعف الصلة باللغة والتراث، وهما عنصران أساسيان في تماسك أي مجتمع.

ومن المهم الإشارة إلى أن العديد من الجامعات في العالم المتقدم، خصوصًا في أوروبا، لا تزال تولي العلوم الإنسانية اهتمامًا كبيرًا، بل وتخصص لها مراكز بحثية رفيعة، وتدرس فيها تاريخ وثقافات متعددة، بما في ذلك اللغة والأدب العربي، وهذا يعكس إدراكًا واضحًا بأن قوة المجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها الاقتصادية والتقنية، بل أيضًا بعمقها الثقافي والمعرفي.

الجامعة تاريخيًا لم تكن مجرد مؤسسة مهنية، بل كانت “منارة فكر” تلتقي فيها العلوم الطبيعية والإنسانية لتشكيل رؤية متكاملة عن الإنسان والعالم، وإضعاف أحد هذين الجانبين يؤدي إلى خلل في هذا التوازن، لأن التخصصات العلمية تحتاج بدورها إلى خلفية إنسانية تعزز الحس النقدي والأخلاقي لدى المتعلم.

وفي المقابل، فإن من المهم التأكيد على أن جامعة الملك سعود، كغيرها من الجامعات، يفترض أن تفتح المجال أمام جميع التخصصات دون إقصاء أو تضييق، لأن الطالب هو من يختار مساره العلمي وفق ميوله وقدراته. كما أن هذا الاختيار يجب أن يرتبط بالمسؤولية، بحيث يتحمل الطالب تبعات قراره، سواء من حيث فرص العمل أو طبيعة المسار المهني الذي يسلكه لاحقًا.
إن منح حرية الاختيار للطالب يعزز النضج الفكري، ويجعل التعليم أكثر واقعية وتوازنًا بين الطموح الشخصي واحتياجات المجتمع.

لذلك، لا يبدو الحل في إلغاء العلوم الإنسانية أو تقليصها، بل في تطويرها وربطها بمتطلبات العصر، من خلال تحديث المناهج، وتعزيز المهارات التحليلية والتواصلية، وفتح آفاق مهنية جديدة أمام خريجيها. فالعالم اليوم لا يحتاج فقط إلى مهندسين وأطباء، بل أيضًا إلى مفكرين ومؤرخين وأدباء قادرين على فهم تعقيدات الواقع وتفسيره.

في النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل تقود الجامعات المجتمع من خلال المعرفة والوعي، أم تكتفي بتلبية احتياجات سوق العمل؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ملامح التعليم، وهوية المجتمع.

 

كاتب رأي

الدكتور دخيل الله عيضه الحارثي

أديب وشاعر سعودي ومشرف ومحرر زاوية (ومضة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى