ماتت وهي تنتظر

ماتت وهي تنتظر
ليست كل الأشياء التي نؤجلها تبقى كما هي… بعضها لا ينتظرنا طويلًا، وبعضها يتغير، وبعضها يذبل بصمت حتى يموت وهو واقف عند بابنا.
هناك أشياء لا تغادر دفعة واحدة، بل تنسحب شيئًا فشيئًا، كظلٍّ فقد صاحبه؛ تموت الكلمة التي لم تُقل، والرسالة التي لم تُكتب، والزيارة التي تأجلت، والاعتذار الذي ظلّ عالقًا بين القلب واللسان، وتموت معها لحظات كان يمكن أن تصنع حياة كاملة لو أننا لم نقل: “غدًا”.
نؤجل لأننا نظن أن الوقت واسع، وأن القلوب ثابتة، وأن الفرص لا ترحل؛ لكن الحقيقة أن كل تأجيل يضيف مسافة جديدة بيننا وبين ما نحب، حتى نصحو يومًا فنجد أن الطريق الذي كان قريبًا أصبح بعيدًا، وأن الأبواب التي كانت مفتوحة… أُغلقت بهدوء.
كم من أبٍ أو أمٍّ رحلوا وفي أعينهم انتظار كلمة لم تُقل!
وكم من صديقٍ انطفأ في الطريق، وكان آخر العهد به: “سأتصل بك قريبًا”!
وكم من قلبٍ أحبنا بصمت، ثم تعب من الصمت ومن الانتظار معًا!
ليست الخسارة في الفقد وحده، بل في التأجيل الذي يسرق منا الحياة ونحن نظن أننا نؤجل فقط لحظة.
حتى الأحلام تموت بهذه الطريقة؛ لا تموت فجأة، بل تموت حين نؤجلها مرة بعد مرة، حتى يبهت بريقها في داخلنا، وتصير فكرة كانت تملأنا بالحياة مجرد ذكرى لا تحرك شيئًا.
والأشياء المادية كذلك لا ترحم التأجيل؛ بيتٌ لا يُعتنى به ينهار ببطء، وحديقة تُهمل تذبل، وحلم لا يُسقى ييبس، وكأن الحياة كلها تقول لنا بصوت خافت: ما لا تعطيه اهتمامك… يغادرك دون ضجيج.
ثم نكتشف متأخرين أن التأجيل ليس راحة، بل خسارة مؤجلة، وأن “لاحقًا” ليست دائمًا فرصة، بل قد تكون مقبرة صغيرة للأشياء الجميلة.
الأشياء التي ماتت وهي تنتظرنا… لم تمت وحدها، بل أخذت معها شيئًا منا؛ أخذت جزءًا من قلوبنا، وشيئًا من عمرنا، وملامح من أحلامنا التي لم تكتمل.
ويبقى السؤال الذي لا يهدأ: كم من الأشياء كانت ستبقى حيّة لو أننا لم نؤجلها؟
ولهذا فإن أعظم قرار يمكن أن يتخذه الإنسان ليس أن يفعل الكثير، بل أن لا يؤجل القليل الجميل: كلمة طيبة، حضن دافئ، زيارة قصيرة، حلم صغير، اعتذار صادق، أو بداية بسيطة.
فبعض الأشياء إذا رحلت… لا تعود.
وبعض اللحظات إذا فاتت… لا تُستعاد.
والبعض الآخر من الحياة… يموت فقط لأننا قلنا: غدًا.
د. دخيل الله عيضه الحارثي
