كُتاب الرأي

رقصة الريشة وثبات الشجرة

رقصة الريشة وثبات الشجرة

في قلب الطبيعة، حيث تتجلى الحكمة في أبسط صورها، نجد حكاية أزلية تتكرر في كل لحظة، أبطالها: الشجرة الراسخة، والريشة الخفيفة، والريح العاتية.

هذا المشهد ليس مجرد لوحة طبيعية، بل هو اختزال عميق لفلسفة الحياة، وميزان دقيق لقياس طبيعة النفس البشرية أمام التحديات.
تمثل الشجرة في هذه القصة رمز الجذور والعمق، فهي الكيان الذي اختار أن يتخذ من الأرض وطناً، ومن العزم درعاً، حين تهب الريح لا ترفض الشجرة قوتها، بل تتفاعل معها؛ تميل أغصانها بمرونة وتصدر حفيفاً كأنه موسيقى المقاومة الهادئة، تعلمنا أن القوة الحقيقية ليست في الجمود، بل في القدرة على الصمود مع الحفاظ على الاتصال بالأصل، إنها الدرس الذي يخبرنا بأن المبادئ والقيم هي الجذور التي تمنعنا من الانكسار عندما تشتد العواصف.

على النقيض تماماً، نجد الريشة، ذلك الكيان الذي لا يملك وزناً ولا يملك إرادة في مواجهة الريح، لكنه يمتلك ميزة لا تملكها الشجرة وهي التحليق. الريشة لا تقاوم الريح، لا تغضب منها، ولا تحاول أن تفرض وجودها في وجهها، بل تمنح نفسها لها لتأخذها إلى آفاق لم تكن لتصل إليها بمفردها. تعلمنا الريشة أن المرونة المتناهية قد تكون طريقاً للحرية، وأن أحياناً يكون التسليم للتيار، لا بدافع الضعف بل بدافع الثقة، هو السبيل الوحيد لرؤية العالم من زوايا جديدة.

أما الريح، فهي المتغير الدائم الذي يمثل الظروف القاهرة والأزمات، وهي الفرص التي تأتي دون استئذان، الريح لا تفرق بين شجرة وريشة، هي فقط تفرض وجودها؛ وبالنسبة للشجرة، هي اختبار للثبات والعمق، وبالنسبة للريشة، هي وسيلة للارتقاء، الريح في حد ذاتها قوة محايدة تمنح الأشياء قيمتها الحقيقية، فبدونها لا نعرف صلابة الشجرة، ولا نرى خفة الريشة.

إن الإنسان يعيش حياته متأرجحاً بين هاتين الحالتين؛ فنحن نحتاج إلى صلابة الشجرة في مواقفنا الأخلاقية وفي قراراتنا المصيرية، ونحتاج أيضاً إلى خفة الريشة عندما تضيق بنا سبل الحياة، لنتخلى عن التصلب، وننفتح على التغيير، في حدود القيم والثوابت .

في هذه الحياة، الريح قادمة لا محالة، والسر لا يكمن في منعها من الهبوب، بل في معرفة متى نكون شجرة، ومتى نكون ريشة، فالحكيم هو من يدرك متى يجب أن يتجذر ليحمي وجوده، ومتى يجب أن يتخفف ليحلق فوق عواصفه، وما بين ثبات الجذور وخفة التحليق، تتشكل رحلتنا وتتحدد هويتنا أمام رياح الزمن.

فهل تميل عزيزي القارئ في مواقف حياتك إلى نهج الشجرة الراسخة أم تفضل مرونة الريشة في التعامل مع المتغيرات؟

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

 

الدكتور دخيل الله عيضه الحارثي

أديب وشاعر سعودي ومشرف ومحرر زاوية (ومضة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.