كُتاب الرأي

كلهم رحلوا… إلا واحدًا

كلهم رحلوا… إلا واحدًا

في زاويةٍ هادئةٍ من الذاكرة، يقف فصلٌ دراسيٌّ عجوز، لا جدرانه هرمت، ولا مقاعده بليت، بل أثقلته الحكايات التي مرّت بين جنباته.
هنا كانت البدايات.
هنا تعثّرت الحروف الأولى على ألسنة الصغار، وهنا ارتجفت الأقلام في أصابعهم وهم يخطّون أسماءهم للمرة الأولى، وهنا كانت الأحلام صغيرةً جدًا، بحجم حقيبةٍ مدرسية، أو دفترٍ ملون، أو نافذةٍ تطل على السماء.

على تلك المقاعد جلس أطفالٌ لا يعرفون عن المستقبل شيئًا…كان أحدهم يرفع يده مرتبكًا ليقرأ سطرًا بصوتٍ متلعثم، ثم مضت السنوات فإذا به طبيبٌ تمتلئ يده بأرواح الناس.

وكان آخر يطيل النظر إلى السحاب من نافذة الفصل، كأنه يخبئ سرًا بينه وبين السماء، ثم مضت الأيام فإذا به طيارٌ يشق الفضاء ويعانق الغيوم.

وكان ثالث يرسم البيوت والجسور على أطراف دفاتره، فيعاتبه معلمه لأن ذهنه شرد عن الدرس، ثم كبر ذلك الشرود حتى صار مهندسًا يبني المدن.

وكان هناك من يتعلم أول معاني النظام والانضباط، ثم أصبح ضابطًا يحمل مسؤوليات الرجال.

ومضت الأعوام…وكبروا جميعًا.

غادروا المقاعد الصغيرة إلى مقاعد أكبر.

غادروا الفصول إلى الجامعات.

وغادروا الأحلام إلى الواقع.

وتفرّقوا في طرق الحياة، يحمل كلٌّ منهم اسمًا ومهنةً ومكانةً وقصة نجاح.

كلهم رحلوا…إلا واحدًا.

ذلك الذي لم يكن مجرد شخصٍ في المشهد، بل كان المشهد كله.

المعلم… الذي ظل واقفًا عند نقطة البداية بينما كان الجميع يركضون نحو النهايات.

لم يبقَ لأن الأبواب أُغلقت في وجهه، بل لأن رسالته كانت أوسع من أن يحملها طريقٌ واحد.

كان يرى في كل طفل مشروع إنسان.
وفي كل خطأ فرصة.
وفي كل تعثر بداية نهوض.
كان يمنحهم من عمره أكثر مما يمنحهم من علمه.
يقتطع من أيامه ليضيف إلى أيامهم.
ويحرق من وقته ليضيء مستقبلهم.
ويزرع في قلوبهم ما قد لا يدركون قيمته إلا بعد سنوات طويلة.

كبروا هم… وشاب هو… حققوا أحلامهم… وأمضى هو عمره يصنع الأحلام للآخرين.

صفّق الناس لإنجازاتهم، واحتفلوا بأسمائهم، وامتلأت سيرهم بالشهادات والمناصب والنجاحات… أما هو فبقي بعيدًا عن الأضواء، مكتفيًا بأن يرى ثمرة جهده تمشي على الأرض.

كان يودّع جيلًا ليستقبل جيلًا.

ويغرس حلمًا ليقطف العالم ثماره.

ويفتح بابًا لا يدخل منه هو، بل ليعبره الآخرون.

وفي كل عامٍ كان الفصل يمتلئ بوجوه جديدة، بينما تغادره وجوه أحبها.

وكم من مرةٍ عاد إليه أحد طلابه بعد عقود طويلة، يحمل الشيب على رأسه، ويقول:

“السلام عليك يا أستاذ… أتذكرني؟”

فيتأمل وجهه طويلًا… ويفتش في دفاتر عمره… ثم تلمع عيناه فجأة… كأن ثلاثين سنةً قد سقطت دفعةً واحدة.

فيعود الطفل الصغير الذي كان يجلس في الصف الأخير… ويعود صوته وضحكاته وأسئلته ومشاغباته… عندها فقط يشعر المعلم أن السنوات التي أخذها العمر لم تذهب هباءً.

وفي نهاية كل عام، وبعد أن ينصرف الجميع، يبقى الفصل صامتًا… لكن ذلك الصمت ليس فراغًا؛ إنه امتلاء…امتلاء بأصوات الذين رحلوا….وبأحلام الذين كبروا…وبخطوات الذين مضوا إلى حياتهم.

وكأن المقاعد ما زالت تحتفظ بأصحابها.

وكأن الجدران تحفظ أسرارهم.

وكأن الزمن نفسه يرفض أن يغادر هذا المكان.

ثم يأتي عامٌ آخر…

ويدخل أطفالٌ جدد…

وتبدأ حكاياتٌ جديدة…

ويعود المعلم إلى مكانه نفسه.

يحمل الرسالة ذاتها…والحب ذاته…والإيمان ذاته.

كأن عمره كله شجرة…يأكل الناس من ثمارها…ويستظلون بظلها…ولا يسألون كم نزفت جذورها لتبقى واقفة.

ثم يأتي اليوم الأخير.

اليوم الذي يطوي فيه المعلم سجل الحضور للمرة الأخيرة.

يغلق باب الفصل الذي فتحه آلاف المرات.

ويمضي بهدوء كما عاش دائمًا.

لا تصاحبه الأضواء.

ولا تتبعه الكاميرات.

ولا تتحدث عنه نشرات الأخبار.

لكنه يمضي وقد ترك خلفه ما لا يستطيع الزمن أن يمحوه.

فإذا كان الطبيب قد أنقذ مئات المرضى، فقد كان المعلم أول من علّمه كيف يقرأ.

وإذا كان المهندس قد بنى المدن، فقد كان المعلم أول من علّمه كيف يرسم خطًا مستقيمًا.

وإذا كان الطيار قد حلق فوق السحاب، فقد كان المعلم أول من فتح له نافذة الحلم.

وإذا كان الضابط قد حرس الأوطان، فقد كان المعلم أول من غرس فيه معنى الواجب.

وحين يرحل المعلم عن الدنيا يومًا، قد لا تبكيه مدينة واحدة…

بل تبكيه مدنٌ كاملة دون أن تشعر.

لأن جزءًا من نهضتها قد رحل.

وجزءًا من ذاكرتها قد غاب.

وجزءًا من نورها قد انطفأ.

فالذي يُدفن يومها ليس رجلًا فحسب.

بل أعوامٌ طويلة من العطاء.

وسنواتٌ من الصبر.

وآلاف الأحلام التي حملها في قلبه حتى أوصلها إلى أصحابها.

كلهم غادروا…

الطبيب إلى مستشفاه.

والمهندس إلى مشاريعه.

والطيار إلى سمائه.

والضابط إلى ميدانه.

أما هو فبقي طويلًا حيث تبدأ الحكايات.

حتى إذا أنهكه العمر وغادر أخيرًا…

اكتشف الجميع الحقيقة التي تأخروا في فهمها:

أن الرجل الذي ظنوه باقياً في مكانه طوال تلك السنين… كان في الحقيقة يسير معهم جميعًا… في نجاحاتهم…وفي إنجازاتهم…وفي أحلامهم التي تحققت.

ثم رحل بصمت…وبقي أثره حيًا في آلاف الأرواح.

رحل من ترك خلفه أجيالًا تنطق باسمه في دعائها، وتعيش بما زرعه فيها من نور.

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

 

الدكتور دخيل الله عيضه الحارثي

أديب وشاعر سعودي ومشرف ومحرر زاوية (ومضة)

‫4 تعليقات

  1. أشكر لكم كريم كلماتكم وعاطر ثنائكم، وما كان في المقال من توفيقٍ أو جمالٍ فمن فضل الله أولًا، ثم من حسن ظنكم…
    ممتنٌ لكم جميعًا، ودمتم أهل ذائقة.

  2. ماشاء الله تبارك الله
    أبدعت فجودت
    لافض فوك
    يجب على كل المعلمين قراءتها والعمل بها
    فهي دعم معنوي سطرته أناملك البيضاء
    ونقشته أياديك على صخور وصروح التعليم
    بيض الله وجهك وسلمت أناملك

  3. ما شاء الله
    ما أجمل الكلمات و ما أعمق المعاني
    مقال في قمة الروعة .
    دام قلمك متدفقا دكتور دخيل الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.