*من طاولة التفاوض… إلى ميدان النيران .*

*من طاولة التفاوض… إلى ميدان النيران .*
*رؤية تحليلية استراتيجية .*
*الخميس الموافق( 16 )يوليو 2026م .*
بقلم اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .
*بين التفاوض والحرب لحظات قد تبدو قصيرة، لكنها قادرة على إعادة رسم خرائط، وتبديل موازين، وتغيير مصير أقاليم بأكملها.*
*عندما تعجز السياسة عن ضبط مسار الأزمات، تتولى القوة كتابة الفصل التالي. وعندما تتراجع الثقة بين الخصوم، تتحول المفاوضات إلى سباق مع الزمن، بينما تتحرك الجيوش وفق حسابات عملياتية لا تنتظر اكتمال الحوار. وهكذا انتقلت الأزمة الأمريكية الإيرانية، خلال أيام قليلة، من طاولة التفاوض إلى 【ميدان النيران】، بعد أن سبقت الوقائع العسكرية كثيرا من الجهود الدبلوماسية التي سعت إلى احتواء التصعيد.*
*ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن تقتصر قراءة ما يجري على عدد الضربات أو حجم المواقع التي أصيبت، بل يجب أن تمتد إلى فهم المنطق العملياتي الذي يحكم إدارة الحملة العسكرية، وطبيعة الأهداف المختارة، والأثر المتوقع في قدرة النظام الإيراني على إدارة المعركة، فضلا عن انعكاسات التصعيد العدواني الغاشم والجبان على أمن المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب.*
ووفقا للبيانات الأمريكية المعلنة، اتجهت الحملة خلال أيامها الأخيرة بزخم نشاطاتها القتاليّة ( *النوعية* ) إلى إستهداف مراكز القيادة والسيطرة، والرادارات الساحلية، ومنظومات الدفاع الجوي، ومواقع الصواريخ والطائرات المسيرة، ومستودعات الأسلحة و الذخيرة، إلى جانب قدرات بحرية ومنشآت مراقبة ساحلية. ويعكس هذا التسلسل، من منظور عسكري، سعيا إلى التأثير في منظومة إدارة القتال قبل الانتقال إلى إستنزاف جميع وسائل القتال نفسها.
وتقوم هذه المقاربة على مبدأ معروف في التخطيط العملياتي ؛ فالرادارات توفر الإنذار والمراقبة، ومراكز القيادة تقدر الموقف وتتخذ القرار، ومراكز الاتصالات تنقل الأوامر، بينما تتولى الصواريخ والطائرات المسيرة والوحدات البحرية تنفيذ المهام القتالية. وإذا تعطلت هذه الحلقة، تراجعت كفاءة المنظومة العسكرية حتى لو بقي جزء من معداتها ومنصاتها سليما.
وهنا يظهر الفارق بين تدمير الهدف وتعطيل المنظومة. فقد تبقى منصة صاروخية في موقعها، لكنها تصبح أقل فاعلية إذا فقدت معلومات الهدف أو انقطع اتصالها بالقيادة. وقد تبقى وحدة بحرية قادرة على الحركة، لكنها تفقد جزءا من قيمتها القتالية إذا تضررت شبكة المراقبة والإنذار والدفاع التي تسندها.
ومن منظور عسكري بحري، تكتسب الضربات التي طالت السواحل الإيرانية والمناطق المحيطة بمضيق هرمز أهمية خاصة. فمفهوم 【التحكم البحري】 في الفكر العسكري الحديث لا يعني احتلال البحر أو فرض سيطرة مطلقة عليه، وإنما يعني ضمان حرية استخدامه للقوات الصديقة والتجارة الدولية، وتأمين خطوط الاتصال البحرية، وتقليص قدرة الخصم على تعطيل الملاحة أو تهديد السفن.
كما تكشف العمليات الجارية أن المعارك البحرية الحديثة لم تعد تبدأ عند مدى المدافع أو الصواريخ، بل داخل منظومات القيادة والسيطرة، والاستطلاع الفضائي، وشبكات البيانات، والحرب الإلكترونية، والطائرات والوسائط البحرية غير المأهولة. والطرف الذي يحتفظ بصورة عملياتية أوضح، وقدرة أسرع على اتخاذ القرار، يستطيع توظيف نيرانه بدقة أكبر وحرمان خصمه من المبادأة.
ومع ذلك، لا تسمح المعلومات المعلنة حتى الآن بالحكم بأن القدرات العسكرية الإيرانية قد انهارت. فالمؤشرات تدل على تعرض أجزاء من منظومات القيادة والدفاع والقدرات الصاروخية والساحلية لضغط عسكري كبير، لكنها تدل أيضا على استمرار النظام الإيراني في تنفيذ بعض الهجمات وإصدار التهديدات. ولذلك، فإن التقييم الاستراتيجي ينبغي أن يفرق بين النجاح التكتيكي في إصابة الأهداف، والنجاح العملياتي في تعطيل المنظومات، والنجاح الاستراتيجي في تغيير السلوك والقرار.
*ولم تعد هذه المواجهة محصورة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما امتدت تداعياتها الأمنية إلى المملكة العربية السعودية وعدد من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية. فقد أعلنت دول في المنطقة اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة، فيما تصاعدت التهديدات المرتبطة بالممرات البحرية والمنشآت الحيوية.*
*ومن منظور وطني واستراتيجي، لا يمكن التعامل مع أي اعتداء يستهدف المملكة العربية السعودية أو دول الخليج العربي باعتباره أثرا جانبيا لمواجهة بعيدة. فأمن المملكة وسيادتها وسلامة أراضيها خطوط ثابتة، وأي محاولة لنقل الصراع إلى أراضيها أو مجالها الجوي أو مياهها الإقليمية تعد توسعا خطيرا في ميدان العمليات، وتحمّل الجهة المنفذة والداعمة المسؤولية عن نتائجه.*
*كما برز الحوثيون مجددا بوصفهم ذراعا إرهابيا في إتساع مسرح المواجهة، سواء من خلال الاعتداءات السافرة التي استهدفت المملكة، أو عبر التهديدات المحتملة للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. وإذا تحولت الجماعة إلى أداة لفتح جبهة بحرية موازية تخفيفا للضغط على إيران، فإن ذلك يؤكد أن الأزمة لم تعد نزاعا ثنائيا، بل شبكة من المسارح المترابطة تمتد من هرمز إلى باب المندب.*
ومضيق هرمز ليس ممرا إيرانيا خاصا، كما أن باب المندب ليس ميدانا مباحا للجماعات الإرهابية المسلحة. فكلاهما من الممرات ( الطبيعية ) المستخدمة للملاحة الدولية، وأي محاولة لتعطيلهما أو إخضاع حركة السفن فيهما لشروط سياسية أو عسكرية أحادية تمس قواعد القانون الدولي، وتهدد أمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
*وفي الجانب الدبلوماسي، تحملت جمهورية باكستان الإسلامية الشقيقة عبئا معقدا في مساعيها للمحافظة على مسار الحوار والمفاوضات بين واشنطن وطهران و تعنت النظام الإيراني المقيت و تخالف الرأي داخل أروقته القيادية المعقدة . فقد واصلت مواقفها الرسمية الدعوة إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، في وقت كانت فيه التطورات الميدانية تعيد تشكيل البيئة التفاوضية بوتيرة متسارعة.*
كما نقلت تقارير إعلامية دولية، نقلا عن مسؤولين باكستانيين مطلعين، وجود قلق من تعقيد آليات اتخاذ القرار لدى الجانب الإيراني. وهذه معلومات صحفية منسوبة إلى مصادر غير مسماة، وليست موقفا رسميا معلنا، لكنها تقدم تفسيرا محتملا للصعوبة التي واجهها الوسيط في معرفة الجهة القادرة على تقديم التزام سياسي وتنفيذه ميدانيا.
ويستطيع الوسيط تقريب المواقف وصياغة التفاهمات، لكنه لا يستطيع صناعة الثقة نيابة عن الأطراف. فكلما اتسعت الفجوة بين الالتزامات السياسية والوقائع الميدانية، أصبحت مهمة الوساطة أكثر تعقيدا، وتحولت المفاوضات من وسيلة لمنع الحرب إلى محاولة للحد من اتساعها.
*وتدل المؤشرات الراهنة على ثلاثة مسارات محتملة. الأول استمرار الضربات المتبادلة ضمن سقف محسوب، مع إبقاء قنوات الاتصال السياسي مفتوحة. والثاني اتساع العمليات لتشمل أهدافا أكثر حساسية وساحات بحرية إضافية، بما يرفع مخاطر سوء التقدير. أما الثالث، فيقوم على هدنة عملياتية مؤقتة تعيد الأطراف إلى التفاوض، لكنها ستظل هشة إذا لم تدعم بضمانات واضحة وآليات تنفيذ قابلة للتحقق.*
*الحكم الاستراتيجي .*
تكشف هذه الأزمة أن النجاح العملياتي لا يساوي بالضرورة نجاحا استراتيجيا. فالعمليات العسكرية قد تحقق أهدافا ميدانية مؤثرة، لكنها لا تكفي وحدها لبناء إستقرار دائم إذا لم تواكبها ترتيبات سياسية وأمنية تعالج جذور الصراع.
كما تؤكد أن أمن الخليج العربي ومضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب أصبح منظومة أمنية واحدة، وأن أي تهديد لإحدى حلقاتها ينعكس مباشرة على أمن الطاقة والتجارة الدولية والاقتصاد العالمي.
كاتب رأي
