كُتاب الرأي

*حصار النظام الإيراني… يعود بقوة .*

*حصار النظام الإيراني… يعود بقوة .*

*رؤية تحليلية استراتيجية .*

*الاثنين الموافق 13 يوليو 2026م .*

بقلم اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .

*لا يعاد تشكيل النظام الأمني في المناطق الاستراتيجية بعد انتهاء الحروب فقط، بل قد يعاد تشكيله بينما لا تزال العمليات العسكرية مستمرة. وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في الخليج العربي، حيث لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تعبره ناقلات النفط، بل أصبح محور صراع يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة إلى إعادة تعريف قواعد الردع البحري، وحرية الملاحة، وأمن الطاقة العالمي.*

*وتدل الأحداث المستجدة المعلنة على أن الولايات المتحدة وسعت عملياتها العسكرية ضد أهداف قالت إنها ترتبط بقدرات تستخدم في تهديد قواتها وحرية الملاحة، بينما أعلنت إيران رفضها لأي ترتيبات تراها تمس سيادتها أو دورها في المضيق، مع استمرار تبادل الرسائل العسكرية والسياسية بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، صدرت تصريحات للرئيس الأمريكي/ دونالد ترامب تضمنت طرحا يقوم على أن الولايات المتحدة ينبغي أن تضطلع بحماية مضيق هرمز مقابل تحمل المستفيدين من أمنه جزءا من الكلفة، وهو طرح أثار اهتماما واسعا لأنه يربط بين القوة العسكرية والاعتبارات الاقتصادية.*

ومن منظور عسكري، تبدو طبيعة العمليات الأمريكية المعلنة منسجمة مع مفهوم Strike Campaign، أي حملة ضربات متتابعة تستهدف مراكز الثقل العملياتية بدلا من الاقتصار على تدمير أكبر عدد من الأهداف. ولهذا تركز الضربات، بحسب البيانات الأمريكية، على منظومات القيادة والسيطرة والإتصالات والإستخبارات والإنذار المبكر ، والرادارات، والدفاعات الجوية، والبنية المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة، والقدرات البحرية ومرافق الإسناد. والغاية المعلنة هي تقليص قدرة الخصم على تنفيذ هجمات جديدة، وإبطاء قدرته على إعادة بناء هذه القدرات.

ويشير هذا النمط إلى أن الهدف يتجاوز تحقيق تأثير ميداني متزامن ، ليصل إلى التأثير في دورة إنتاج القوة نفسها. فكلما تعطلت شبكات القيادة والاتصال والإسناد، ازدادت صعوبة المحافظة على الكفاءة العملياتية إذا طال أمد المواجهة. وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحديا يتمثل في إدارة مخزون الذخائر الدقيقة والصواريخ بعيدة المدى، بما يحقق أعلى أثر عملياتي مع المحافظة على جاهزيتها في مناطق أخرى من العالم.

ومن الزوايا المهمة في هذا التصعيد، أن الرئيس الأمريكي يتمتع بسلطات تنفيذية واسعة، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، تتيح له إصدار أوامر بتنفيذ عمليات عسكرية محدودة عندما ترى الإدارة أن الأمن القومي الأمريكي أو القوات الأمريكية أو حرية الملاحة تتعرض لتهديد مباشر. أما إذا تحولت العمليات إلى نزاع طويل الأمد، فإن دور الكونغرس يكتسب أهمية أكبر في مسائل التفويض والتمويل والرقابة، وهو ما يجعل البعد القانوني جزءا من الحسابات الاستراتيجية، وليس مجرد مسألة إجرائية.

لكن التطور الأكثر أهمية لا يتعلق بالضربات وحدها، بل بطبيعة التفكير الاستراتيجي الذي بدأت تعكسه التصريحات الأمريكية. فحديث الرئيس/ ترامب عن حماية المضيق وربطها بمقابل مالي ينسجم مع فلسفة سياسية أعلنها في مناسبات متعددة، تقوم على أن الالتزامات الأمنية الأمريكية ينبغي أن تقترن بعائد سياسي أو اقتصادي، وأن أمن طرق التجارة العالمية لا ينبغي أن تتحمل الولايات المتحدة كلفته منفردة. ويبقى تحول هذا الطرح إلى سياسة تنفيذية مرتبطا بالمؤسسات الأمريكية، وبالبيئة القانونية، وبالتطورات الميدانية.

ويظل مضيق هرمز في صدارة هذه الحسابات. فمرور نسبة كبيرة من تجارة النفط المنقولة بحرا عبره يجعل أي اضطراب طويل فيه ينعكس على أسعار الطاقة، وأقساط التأمين، وسلاسل الإمداد، والتضخم، والنمو الاقتصادي العالمي. ولهذا لم يعد أمن المضيق شأنا يخص دول الخليج العربي وحدها، بل أصبح قضية تمس مصالح اقتصادية واستراتيجية لدول عديدة.

وتدل المؤشرات على أن البيئة الحالية لم تتشكل نتيجة حدث واحد، وإنما جاءت نتيجة تراكم طويل من الأزمات والتهديدات والتوترات المرتبطة بالملاحة في الخليج العربي. وقد أدى ذلك إلى رفع مستوى الاهتمام الدولي بأمن الممرات البحرية، وتعزيز الدعوات إلى تنسيق بحري ودفاعي أوسع لحماية التجارة الدولية.

*ومن القراءة الاستراتيجية، تبدو سياسات النظام الإيراني الهجومية ( التخريبية ) بل والإرهابية خلال السنوات الماضية عاملا مؤثرا في هذه البيئة. فالتهديدات المتكررة للملاحة، وما تنسبه الولايات المتحدة وعدد من الدول إلى إيران أو إلى جماعات إرهابية و إجرامية دولية ( منظمة ) مرتبطة بها من أنشطة تهدد الأمن البحري والمنطقة ، أسهمت في توسيع القناعة لدى كثير من العواصم بأن أمن مضيق هرمز لم يعد يحتمل إدارة الأزمات بالأساليب التقليدية. وفي المقابل، ترفض إيران هذه الاتهامات وتؤكد أن وجود القوات الأجنبية هو المصدر الرئيس لعدم الاستقرار، وهو ما يعكس استمرار التباين الأساسي بين روايات الأطراف المختلفة.*

وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية. فإذا كان أحد الأهداف المعلنة للسياسات الإيرانية هو الحد من النفوذ العسكري الأمريكي في الخليج العربي، فإن التطورات الأخيرة توحي بأن البيئة الأمنية الحالية أصبحت، في نظر عدد من الدول، مبررا إضافيا للإبقاء على حضور عسكري وبحري دولي قوي، بل وتعزيزه عند الضرورة لضمان أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة.

*ولا تزال جميع السيناريوهات مفتوحة. فقد تنجح المساعي الدبلوماسية في إحتواء التصعيد وإحياء التفاهمات، وقد تستمر العمليات ضمن سقف محسوب، وقد تتجه الأطراف إلى ترتيبات أمنية جديدة إذا رأت أن المعادلات السابقة لم تعد كافية لحماية الممرات البحرية.*

*وفي عالم الاستراتيجية، لا تقاس النتائج بعدد الضربات أو حجم الخسائر وحدهما، بل بقدرة السياسات على تحقيق أهدافها بعيدة المدى. وحين تؤدي خيارات أي دولة إلى دفع البيئة الدولية نحو إعادة تنظيم ترتيباتها الأمنية والدفاعية، فإن أثر تلك الخيارات يتجاوز الميدان العسكري ليصل إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.*
*وربما تكون هذه هي الرسالة الأعمق التي تحملها التطورات الجارية في مضيق هرمز والخليج العربي.*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.