نادي القصة

وكان الحُبُّ طاهرًا

وكان الحُبُّ طاهرًا

بقلم / موضي عوده العمراني

في القرى لا تمرُّ الحياة مسرعة، بل تمشي على مهل، حتى ليظن أهلها أن الزمن نسي الطريق إليها. البيوت متقاربة، والوجوه مألوفة، والأخبار تصل قبل أصحابها، والقلوب تحفظ أسماء الغرباء قبل أن تحفظ ملامحهم.

في تلك القرية، كان سعد قد تجاوز العشرين بقليل. شابًا هادئًا، قليل الكلام، يعرفه الجميع بابتسامته الخجولة، ولا يعرف أحد أن في صدره قلبًا يخاف حتى من الاعتراف بخفقانه.

وفي صباحٍ من أصباح الخريف، وصلت معلمة جديدة.

كان اسمها نوف.

لم تكن تدري أنها وهي تخطو أولى خطواتها في فناء المدرسة، كانت تخطو أيضًا إلى قلب شابٍ لم يكن ينتظر أحدًا.

لم يكن سعد طالبًا عندها، بل كان يرى المدرسة كل صباح حين يأتي ليُوصل أخاه الأصغر. ومن بين عشرات الوجوه، كانت هي وحدها تستوقف عينيه.

شيءٌ في حضورها كان مختلفًا.

لم يكن جمالها وحده، بل تلك الطمأنينة التي تمشي معها، والوقار الذي يسبق كلماتها، والابتسامة التي تمنحها للجميع دون أن تدري أنها قد تصبح وطنًا لقلبٍ واحد.

منذ ذلك اليوم، صار سعد يختلق الأسباب.

مرةً يأتي ليأخذ أخاه مبكرًا.

ومرةً ينتظر انتهاء الدوام.

وأخرى يقف عند متجرٍ يطل على المدرسة، يحتسي كوبًا من الشاي طالما برد قبل أن يرتشفه.

لم يكن يريد أن تراه.

كان يكفيه أن يراها.

وكان يقول في نفسه:

“ما أجمل الأشياء التي لا نملكها… تبقى دائمًا كاملة.”

ومرت الشهور، وكبر الحب كما تكبر الأشجار؛ بصمت.

لم يخبر صديقًا.

ولم يكتب رسالة.

ولم يحاول الاقتراب.

كان يخشى أن يفسد نقاء الشعور بكلمةٍ واحدة.

ثم جاء الخبر.

تزوجت نوف.

لم يشعر أن الأرض اهتزت، بل شعر أن قلبه هو الذي توقف قليلًا ثم عاد إلى النبض، لكن بنبضٍ مختلف.

وفي ليلة زفافها، رفع يديه إلى السماء لأول مرة من أجلها، وقال:

“اللهم إن لم تكن من نصيبي، فاجعل أيامها كلها نصيبًا من السعادة.”

كان ذلك أول انتصارٍ للحب على الأنانية.

وبعد أشهر قليلة، نُقلت إلى مدينة أخرى، ورحلت.

ورحل معها فصلٌ كامل من عمره.

لكنها لم ترحل من ذاكرته.

مرت الأعوام.

تزوج سعد.

ورُزق بالأبناء.

وصار له بيتٌ يملؤه الضجيج، ومسؤولياتٌ تسرق الوقت، حتى ظن أن الحياة قد نجحت أخيرًا في دفن ذلك الشعور القديم.

لكن بعض المشاعر لا تموت…

إنها فقط تتعلم الصمت.

وبعد اثنين وعشرين عامًا، بينما كان يقلب صفحات هاتفه في ليلةٍ شتوية، توقف إصبعه فجأة.

اسمٌ يعرفه قلبه قبل عينيه.

نوف…

قرأ الاسم مراتٍ عديدة.

ثم همس:

“أيعقل أن تكون هي؟”

ظل يتردد طويلًا، ثم أرسل طلب الصداقة.

مرت أيام.

وقبلت الطلب.

جلس أمام شاشة هاتفه كأنما يجلس أمام بابٍ أغلقه الزمن ثم أعاد فتحه على استحياء.

كتب:

“السلام عليكم… لا أعلم إن كنتِ ستتذكرينني. أنا سعد… من أبناء القرية التي عملتِ فيها معلمة قبل أكثر من عشرين عامًا.”

ظل ينظر إلى الرسالة بعد إرسالها، وكأنه ينتظر حكمًا على عمرٍ كامل.

بعد دقائق، جاء الرد.

“وعليكم السلام ورحمة الله… نعم، أذكر القرية جيدًا، وأذكر كثيرًا من أهلها… كيف حالك يا سعد؟”

ابتسم.

لم يكن يدري لماذا ارتجفت يداه.

وكأن الشاب الذي كان يسكنه منذ عشرين عامًا قد استيقظ فجأة، ونفض عن قلبه غبار الزمن.

ولأول مرة، أدرك أن الحب الصادق لا يهزم الزمن…

بل ينام في قلبه، حتى إذا مرّت به ذكرى، استيقظ كما كان… نقيًا، لا يطلب شيئًا، ولا ينتظر شيئًا.

فبعض الحكايات لا يكتبها القدر لتكون بين عاشقين…

بل ليعلّمنا أن أجمل أنواع الحب، هو ذلك الذي ظل طاهرًا… حتى آخر العمر.

كاتبة وقاصة 

 

 

موضي العمراني

كاتبة رأي وإعلاميّة وشاعرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.