كمال الطويل… حين صار اللحن ذاكرة وطن

كمال الطويل… حين صار اللحن ذاكرة وطن
بقلم: د. بكري بن معتوق عساس
في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الموسيقار الكبير كمال الطويل، نستعيد سيرة أحد أبرز صناع النهضة الموسيقية العربية في القرن العشرين؛ ذلك الفنان الذي استطاع أن يمزج بين الأصالة والتجديد، وأن يمنح الأغنية المصرية والعربية ملامح جديدة بقيت حاضرة في الوجدان حتى اليوم.
وُلد كمال محمود زكي الطويل في 11 أكتوبر 1923 وسط أسرة أرستقراطية عريقة، فوالده كان وكيلاً لوزارة الأشغال، وكان عدد من أفراد أسرته من الشخصيات السياسية البارزة. ومع ذلك ظل يعتز بانتمائه الوطني، ويرى في ثورة يوليو بداية مرحلة جديدة للفن والثقافة.
بدأ شغفه بالموسيقى مبكراً، ورغم مروره بتجربة أبعدته مؤقتاً عن هوايته، فإنه واصل دراسته حتى تخرج في كلية الفنون التطبيقية، ثم درس الموسيقى دراسة أكاديمية بمعهد الموسيقى العربية ضمن الدفعة الذهبية التي ضمت أسماءً صنعت تاريخ الموسيقى المصرية، منهم عبد الحليم حافظ، وعلي إسماعيل، وأحمد فؤاد حسن، وفايدة كامل.
كانت أولى ألحانه الاحترافية لفايدة كامل، ثم جاءت ألحانه لمحمد قنديل لتلفت الأنظار إليه، قبل أن تبدأ شراكته الفنية الخالدة مع عبد الحليم حافظ، والتي أثمرت عشرات الروائع، بدءاً من «على قد الشوق»، مروراً بـ«في يوم في شهر في سنة»، و«بلاش عتاب»، و«هي دي هي»، و«الحلو حياتي»، وغيرها من الأغنيات التي أصبحت علامات في تاريخ الغناء العربي.
وبرع الطويل كذلك في الأغنية الوطنية، فقدم أعمالاً خالدة مثل: «أحلف بسماها»، و«صورة»، و«حكاية شعب»، و«بالأحضان»، و«خلي السلاح صاحي»، و«صباح الخير يا سينا»، وهي أعمال ارتبطت بمحطات مفصلية من التاريخ المصري.
وامتد عطاؤه إلى معظم نجوم عصره؛ فلحن لنجاة الصغيرة، وصباح، وشادية، ووردة، وليلى مراد، وفايزة أحمد، ومحمد رشدي، ومحمد عبد المطلب، ونجاح سلام، وعفاف راضي، وعزيزة جلال، وسعاد حسني، وأحمد زكي، وغيرهم، مؤكداً قدرته الفريدة على تطويع اللحن بما يناسب شخصية كل مطرب.
وفي السينما تعاون مع المخرج يوسف شاهين في «عودة الابن الضال»، ثم عاد بعد سنوات من الاعتزال ليضع موسيقى فيلم «المصير»، ويقدم لمحمد منير أغنيته الخالدة «علي صوتك بالغنا… لسه الأغاني ممكنة». كما ارتبط اسمه بالنشيد الوطني «والله زمان يا سلاحي» الذي غنته أم كلثوم، إضافة إلى عدد من الأعمال الدينية الرفيعة.
لم يكن كمال الطويل مجرد ملحن ناجح، بل كان مدرسة موسيقية كاملة أسهمت في تطوير الأغنية العربية، وجمعت بين العمق الفني والقدرة على الوصول إلى الجمهور. لذلك بقيت ألحانه حية بعد رحيله، شاهدة على موهبة استثنائية صنعت جزءاً مهماً من ذاكرة الأمة.
رحل كمال الطويل في 9 يوليو 2003، لكن إرثه الفني لا يزال يتجدد مع كل استماع إلى ألحانه، لتبقى سيرته نموذجاً للفنان الذي وهب حياته للنغم، فاستحق أن يظل اسمه محفوراً في وجدان كل عربي.
كاتب رأي
