كُتاب الرأي

الأجوبة المسكتة

الأجوبة المسكتة

حين ينتصر الذكاء على الضجيج

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

ليست كل مواجهة تحتاج إلى صراخ، ولا كل إساءة تستحق خصومة. فهناك من يمتلك سلاحًا أبلغ من الانفعال، هو سرعة البديهة وحسن الجواب. وقد عرف العرب هذا الفن منذ القدم، حتى أفردوا له مؤلفات مثل «الأجوبة المسكتة»، لما فيه من إظهار الذكاء، وحفظ الكرامة، وإخماد الخصومة بكلمة موجزة.

والرد المفحم ليس سخرية جارحة، بل هو جواب يعيد الأمور إلى نصابها، ويقلب منطق الخصم عليه دون تجاوز أو إسفاف. وهو يحتاج إلى حضور ذهن، وثقة بالنفس، وفهم لطبيعة الموقف.

ومن أشهر الأمثلة ما يُروى عن المتنبي، حين قال له رجل: «رأيتك من بعيد فظننتك امرأة!»، فأجابه: «وأنا رأيتك من بعيد فظننتك رجلًا!». ويُروى عن برنارد شو أن كاتبًا قال له: «أنا أكتب بحثًا عن الشرف، وأنت تكتب بحثًا عن المال»، فقال: «صدقت، فكلٌّ يبحث عما ينقصه».

ومن الطرائف المشهورة أن رجلًا قال لأحد الحكماء: «أراك لا تعرف شيئًا»، فقال: «وهذه ميزة بيني وبينك؛ فأنا أعرف ما أجهل».

وقيل إن رجلًا سأل آخر على سبيل التهكم: «هل ولدت هكذا أم تدربت؟» فأجابه: «بل تعلمت من كثرة مخالطة أمثالك».

وكان بعض البلغاء إذا قيل له: «لن تستطيع الرد»، قال: «لو كان الصمت هزيمة لما جعله الله عبادة في مواضع، لكن لكل مقام مقال».

إن قيمة الرد المفحم لا تكمن في إهانة الآخر، بل في الانتصار للأدب والعقل، وإثبات أن الكلمة الرصينة قد تكون أمضى من الخصومة. ولهذا كان الحكماء يعدّون حسن الجواب صورة من صور الحكمة، لأن الذكاء الحقيقي لا يقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرة الإنسان على ضبط نفسه، واختيار الكلمة التي تغلق باب الجدل وتفتح باب الاحترام.

ويبقى أجمل رد هو الذي يحفظ الكرامة، ويترك الأثر، ويغادر الموقف دون أن يترك في النفس ندبة أو في اللسان إساءة.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.