السيدة حاملة المصباح!!

السيدة حاملة المصباح!!
بقلم: د. معتز عساس
برز نجم الممرضة الإنجليزية «فلورنس نايتنجيل» (Florence Nightingale) في خضم إحدى أشرس المعارك بين القوى العظمى في القرن التاسع عشر الميلادي، خلال ما عُرف آنذاك بحرب جزيرة «القرم»، التي اندلعت في الفترة (1853–1856م)، وراح ضحيتها ما يفوق تسعمائة ألف قتيل، فضلًا عن آلاف الجرحى.
كتبت الصحف حينها بإسهاب عن «فلورنس»، التي كانت تعالج الجرحى من كلا الفريقين المتصارعين، وتلحق الليل بالنهار بمصباحها الشهير، الذي أصبح أيقونتها التي عُرفت بها، ورمزًا لمثابرة الممرضة وسهرها على سلامة المرضى والجرحى. وقد عُرفت بأنها «رائدة التمريض» الحديث، وأُطلق عليها اسم «سيدة المصباح» أو «السيدة حاملة المصباح».
عاشت «فلورنس» بين عامي (1820–1910م) في عائلة إنجليزية أرستقراطية ذات عقلية تشجع الفتيات على التعليم والخدمة المجتمعية. إلا أن مهنة التمريض، التي تمنت «فلورنس» العمل بها منذ صغرها، كانت لا تزال تُعد مهنة دونية لا تليق، في نظر المجتمع آنذاك، بامرأة من مستواها الاجتماعي. لكنها أبت في نهاية المطاف، وعلى الرغم من رغبة والدتها، إلا أن تسعى إلى مزاولة مهنة التمريض، فبدأت طريقها نحوها عام 1840م.
وبحكم معرفتها الوثيقة بوزير الحرب البريطاني «سيدني هيربرت»، تمكنت «فلورنس» من الالتحاق بالفرق الطبية للجيش البريطاني المشارك في حرب «القرم»، ومنها ذاع صيتها في الصحف، وسُطّرت القصص عن تضحياتها في سبيل سلامة جرحى تلك الحرب.
ويُذكر أنه بعد عودتها إلى بريطانيا، أسهمت «فلورنس» بشكل كبير في إنشاء أول معهد لتدريب التمريض الحديث، عُرف باسمها، في مستشفى «سانت توماس» بلندن، التابع حاليًا لكلية كينغز لندن. وكانت مدارس التمريض في السابق تتبع النشاط الكنسي، وتقتصر على «أخوات الكنيسة» أو ما يُعرف بالراهبات، ومنها جاء العرف بتسمية الممرضة «الأخت» أو (Sister). وكان لذلك أثر كبير في تقنين المهنة وإرساء الأسس الحديثة التي يقوم عليها علم التمريض في وقتنا الحالي.
وكان لـ«فلورنس» إسهامات عديدة في علم التمريض، من أبرزها كتابها «ملاحظات عن التمريض»، الذي لا يزال يُعتد به مرجعًا مهمًا في تدريس مبادئ علم التمريض، لتركيزه على أهمية النظافة والعناية الشخصية في الحفاظ على صحة الإنسان.
ولا يزال معهدها للتمريض قائمًا حتى اليوم، ويواصل تخريج دفعات متتالية من الممرضين والممرضات، كما يحمل قسم التمريض اسم «فلورنس» نسبةً إليها. ويُحتفل سنويًا بيوم التمريض العالمي في الثاني عشر من مايو، الذي يوافق يوم ميلادها، تقديرًا لإسهاماتها الجليلة في مجال التمريض الحديث.
كاتب رأي
