جستن سميث… ملك اللسعات

جستن سميث… ملك اللسعات
بقلم: د. بكري بن معتوق عساس
يقول المثل الدارج: «من يتلسع من الشربة ينفخ في الزبادي»، في إشارة إلى أن الألم قد يكون أكثر أدوات التعلّم فاعلية، إذ يجعل الإنسان يعيد التفكير ملياً قبل تكرار تجربة مؤلمة.
غير أن الألم في حد ذاته تجربة إنسانية شخصية، تختلف درجات تحمله من فرد إلى آخر. فقد يتحمل شخص حرارة مقبض الباب في ظهيرة يومٍ صيفي، بينما يتألم منها آخر. وترجع هذه الفروق إلى عوامل بيئية واجتماعية وتربوية متعددة، ولعل أبرزها – من منظور التطور البشري – علاقة الإنسان بالحشرات والأفاعي السامة واللاسعة، إذ أسهمت وسائل دفاعها الطبيعية في تشكيل كثير من السلوكيات الإنسانية. لذلك قد يفزع بعض الناس لمجرد سماع طنين نحلة تحلق حولهم، حتى وإن لم يسبق لهم التعرض للسعة من قبل.
حاول البروفيسور جستن سميث، عالم الحشرات بجامعة أريزونا الأمريكية، الإجابة عن سؤالين مهمين: لماذا نشعر بالألم عند لسعات الحشرات؟ ولماذا تكون بعض اللسعات أشد إيلاماً من غيرها؟ وفي سبيل ذلك ابتكر «مقياس سميث للّسعات»، وأصدر كتابه «قرصات البراري» عام 2016.
ولأن الألم لا يمكن قياسه في المختبر بالطريقة التقليدية، خاض سميث التجربة بنفسه؛ إذ تعرّض عمداً للسعات أكثر من 80 نوعاً من الحشرات، ثم صنّفها على مقياس يبدأ من (1) للأقل ألماً وينتهي بـ(4) للأشد إيلاماً.
ولم يكتفِ بالأرقام، بل أضاف وصفاً أدبياً لكل لسعة، ليقرّب للقارئ الإحساس بها. فوصف لسعة نملة «الإبرة» الآسيوية بأنها تشبه احتراق جلد الأنف بعد يوم كامل تحت شمس الصيف دون واقٍ شمسي، ومنحها درجة (1). أما لسعة الدبور الورقي أحمر الرأس فوصفها بأنها «فورية، حادة على نحو غير منطقي، وتستمر لبرهة»، ومنحها درجة (3). أما لسعة نملة «الرصاصة»، فجاء وصفها بأنها «ألم نقي وساطع، كأنك تمشي فوق الجمر بينما يخترق كعبك مسمار طويل»، ومنحها أعلى درجة (4).
وبفضل هذه الأبحاث عُرف جستن سميث لاحقاً بلقب «ملك اللسعات»، إذ أسهمت دراساته في تعميق فهم العلماء للسموم الحشرية وتأثيراتها الفسيولوجية والحيوية في جسم الإنسان، وهو ما انعكس على تطور الأبحاث الطبية والبيولوجية المتعلقة بالسموم وآليات تأثيرها.
كاتب رأي


