كُتاب الرأي

حين كانت القاهرة تكتب… وبيروت تطبع… وبغداد تقرأ

حين كانت القاهرة تكتب… وبيروت تطبع… وبغداد تقرأ

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

ليست كل العبارات التي تتناقلها الأجيال مجرد كلمات عابرة؛ فبعضها يتحول إلى وثيقة تاريخية تختصر مرحلة كاملة من عمر الأمم. ومن أشهر تلك العبارات المقولة: «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ»، وهي عبارة جسدت ملامح النهضة الثقافية العربية في النصف الأول من القرن العشرين، حين تكاملت أدوار ثلاث عواصم صنعت وجدان الإنسان العربي.

كانت القاهرة آنذاك القلب النابض للأدب والفكر. ففيها ازدهرت الجامعات والصحف والصالونات الأدبية، وبرزت أسماء خالدة مثل أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وطه حسين، والعقاد، والمازني، وتوفيق الحكيم، ثم نجيب محفوظ. لم يقتصر عطاؤهم على الشعر والرواية والمقالة، بل أسهموا في تجديد اللغة العربية، وإحياء التراث، وترسيخ قيم العقل والتنوير، حتى أصبحت القاهرة مصنعاً للأفكار التي انتقلت إلى مختلف أنحاء الوطن العربي.

أما بيروت فقد استحقت لقب عاصمة الطباعة والنشر العربي. فقد احتضنت مطابع متقدمة ودور نشر عريقة، وتميزت بحرية فكرية نسبية وجودة عالية في الإخراج الفني، فأصبحت الوجهة المفضلة للمؤلفين العرب. وانتشرت منها الكتب إلى العواصم العربية، لتؤدي دوراً محورياً في صناعة الكتاب العربي الحديث.

وكان لمجلتي «الهلال» و«الرسالة» أثر بالغ في هذه النهضة. فقد قدمت «الهلال» منذ أواخر القرن التاسع عشر مادة ثقافية رصينة عرّفت القراء بالأدب والتاريخ والعلوم، بينما أصبحت «الرسالة» منبراً لكبار الأدباء والمفكرين، ونشرت مقالات العقاد والرافعي والزيات وطه حسين وغيرهم، وأسهمت في الارتقاء بالذائقة الأدبية العربية.

وفي الجانب الآخر كانت بغداد تمثل القارئ العربي بامتياز. ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل امتداداً لإرث حضاري بدأ منذ العصر العباسي وبيت الحكمة، حين أصبحت بغداد مركزاً للترجمة والعلوم والآداب. وظل العراقيون أوفياء لهذا الإرث، فانتشرت المكتبات العامة والخاصة، وأصبح اقتناء الكتب جزءاً من الثقافة اليومية.

ويظل شارع المتنبي أشهر شاهد على هذه العلاقة الحميمة بين العراقي والكتاب. يقع في قلب بغداد، ويحمل اسم شاعر العربية الكبير أبي الطيب المتنبي، ويعد أحد أشهر أسواق الكتب في العالم العربي. ففي صباح كل يوم جمعة يتحول الشارع إلى مهرجان ثقافي مفتوح؛ يلتقي فيه الأدباء والباحثون والطلاب والناشرون، وتعرض آلاف الكتب القديمة والحديثة. ومن أشهر معالمه مكتبة المثنى، ومكتبة النهضة، والقشلة، والمقاهي الثقافية التي احتضنت حوارات لا تقل قيمة عن الكتب نفسها.

ولم تكن النهضة الأدبية في مصر وبلاد الشام والعراق حركة محلية، بل أسهمت في تشكيل الوعي العربي الحديث. فقد صنعت صحافة واعية، ورسخت ثقافة الحوار، وأحيت المسرح، وطورت الرواية، وجددت الشعر، وربطت التعليم بقضايا المجتمع، وأنتجت جيلاً من المثقفين الذين قادوا حركة الإصلاح في العالم العربي.

واليوم تغير المشهد. فقد انتقل كثير من القراء إلى الشاشات، وأصبحت المكتبات الرقمية في متناول الجميع، وهي نعمة عظيمة وسّعت دائرة المعرفة وخفضت كلفة الوصول إليها. لكن القراءة الرقمية، على أهميتها، لا ينبغي أن تلغي متعة الكتاب الورقي؛ فملامسة الصفحات، ورائحة الورق، والتأمل بعيداً عن إشعارات الهواتف، تمنح القارئ تجربة معرفية مختلفة وأكثر عمقاً.

ولعل التحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين الورق والشاشة، بل في المحافظة على عادة القراءة نفسها. فالوسيلة تتغير، أما المعرفة فهي الباقية، والأمة التي تقرأ تظل قادرة على الإبداع مهما تبدلت أدوات العصر.

لقد كانت تلك المقولة أكثر من وصف لعواصم ثلاث؛ كانت إعلاناً عن مشروع حضاري عربي تكاملت فيه الفكرة مع الطباعة، والتأليف مع القراءة. وإذا أردنا أن نستعيد شيئاً من ذلك الزمن الجميل، فلا يكفي أن نردد العبارة بإعجاب، بل ينبغي أن نعيد للكتاب مكانته، وللمكتبة حضورها، وللقراءة قيمتها في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا. فالحضارات لا تبدأ من الحجر، بل من الفكر، ولا تبقى بالثروة وحدها، وإنما تبقى بالإنسان القارئ الذي يجعل من الكتاب رفيقاً دائماً، ومن المعرفة طريقاً إلى المستقبل.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.