سميرة موسى

سميرة موسى
عالمة الذرة المصرية التي اغتالها الغموض
بقلم: د. بكري بن معتوق عساس
في مثل هذا اليوم، 15 أغسطس من عام 1952، رحلت العالمة المصرية سميرة موسى، إحدى أبرز العالمات العربيات في مجال الفيزياء النووية، بعد مسيرة علمية قصيرة، لكنها حافلة بالطموح والإنجاز. وقد لُقبت بـ«ميس كوري الشرق»، في إشارة إلى العالمة البولندية-الفرنسية ماري كوري، لما أظهرته من نبوغ مبكر وشغف بالعلم وإيمان بقدرته على خدمة الإنسان.
وُلدت سميرة موسى في مصر، ونشأت محبة للعلم والمعرفة. وفي سنوات دراستها المبكرة ظهرت موهبتها بصورة لافتة؛ فألّفت، وهي في الصف الأول الثانوي، كتابًا في تبسيط مادة الجبر لزميلاتها. وفي عام 1935 حصلت على المركز الأول في شهادة البكالوريا على مستوى القطر المصري، لتبدأ بعدها مسيرة أكاديمية استثنائية.
التحقت بالجامعة المصرية، وتخرجت في كلية العلوم عام 1939 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. وكانت أول امرأة تتولى وظيفة معيدة في كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول، التي أصبحت لاحقًا جامعة القاهرة. ولم يكن الطريق إلى هذا التعيين سهلًا؛ إذ اعترضت إدارة الجامعة في البداية على تعيينها، غير أن الدكتور علي مصطفى مشرفة، العالم المصري الكبير وأحد أبرز رواد الفيزياء في مصر، أصر على تعيينها، حتى هدد بالاستقالة إذا لم تُمنح الفرصة التي تستحقها. وانتهى الأمر بصدور قرار بتعيينها في الجامعة.
واصلت سميرة موسى دراستها العليا، فحصلت على درجة الماجستير من القاهرة في موضوع «التواصل الحراري للغازات»، ثم سافرت في بعثة علمية إلى بريطانيا لدراسة الإشعاع النووي. وحصلت هناك على درجة الدكتوراه في موضوع يتعلق بالأشعة السينية وتأثيرها في المواد المختلفة، وأنجزت دراستها في مدة أقصر من المدة المقررة للبعثة، قبل أن تستثمر ما تبقى من وقتها في دراسة الذرة وإمكان توظيفها في الأغراض السلمية والطبية.
وكانت سميرة موسى تؤمن بأن المعرفة العلمية ليست ترفًا، وإنما وسيلة لتحرير الإنسان وتحسين حياته. ومن هذا المنطلق، اهتمت بإمكان استخدام الطاقة الذرية في الأغراض السلمية، ولا سيما في المجالات الطبية، وكانت تطمح إلى أن تصبح هذه المعرفة متاحة للعلماء في مصر، لا حكرًا على الدول المتقدمة.
ولم تكن حياتها العلمية منفصلة عن اهتمامها بالمجتمع؛ فقد شاركت في أنشطة طلابية واجتماعية، وأسهمت في جهود محو الأمية في الريف، وكانت عضوًا في عدد من الجمعيات المهتمة بالنهضة الاجتماعية ورعاية الأطفال.
وفي عام 1951 حصلت على منحة دراسية في الولايات المتحدة لدراسة علوم الذرة، والتحقت بجامعة كاليفورنيا، ثم أتيحت لها فرصة لإجراء أبحاث في معامل جامعة سان لويس بولاية ميزوري. وتلقت عروضًا للبقاء في الولايات المتحدة، لكنها كانت تميل إلى العودة إلى مصر، حيث كانت تحلم بإنشاء بيئة علمية متقدمة تتيح للباحثين المصريين العمل في مجال الذرة.
وفي 15 أغسطس 1952، وأثناء وجودها في الولايات المتحدة، استجابت لدعوة لزيارة أحد المعامل النووية في كاليفورنيا. وفي أثناء رحلتها على طريق جبلي، تعرضت السيارة التي كانت تستقلها لحادث مروّع، فسقطت في وادٍ عميق، ولقيت حتفها وهي في مقتبل العمر. وأحاطت ملابسات الحادث، وما رُوي عن هوية سائق السيارة، بقدر كبير من الغموض، الأمر الذي فتح الباب أمام روايات متعددة حول أسباب وفاتها. ومن المهم التمييز هنا بين الوقائع الثابتة وبين الروايات التي تداولتها الصحافة والكتابات اللاحقة دون حسم تاريخي قاطع.
وكانت سميرة موسى قد عبّرت في رسائلها إلى والدها عن طموحها الكبير في نقل المعرفة العلمية إلى مصر، وتُروى عنها عبارة ذات دلالة عميقة: «لو كان في مصر معمل مثل المعامل الموجودة هنا، كنت أستطيع أن أصنع أشياء كثيرة». كما نُسب إليها في رسالة أخرى تأكيدها أنها تريد، بعد عودتها إلى مصر، أن تقدم لبلادها خدمات جليلة في هذا الميدان وأن تخدم قضية السلام.
وكان من أحلامها إنشاء معمل علمي خاص بها في منطقة الهرم بمحافظة الجيزة، لتسهم من خلاله في تطوير البحث العلمي في مصر، وتفتح أمام الأجيال الجديدة طريقًا إلى علوم الذرة وتطبيقاتها السلمية.
رحلت سميرة موسى وهي في الحادية والثلاثين من عمرها تقريبًا، لكن عمرها العلمي والفكري كان أكبر من سنواتها بكثير. فقد تركت وراءها نموذجًا للعالمة التي لم ترَ في العلم طريقًا إلى المجد الشخصي فحسب، بل وسيلة لبناء وطن أكثر تقدمًا، وإتاحة المعرفة للأجيال المقبلة.
لقد كان رحيلها المبكر خسارة للعلم المصري والعربي، سواء أكانت ملابسات وفاتها جريمة مدبرة كما ذهبت بعض الروايات، أم حادثًا لم تُكشف كل تفاصيله. أما المؤكد، فهو أن سميرة موسى كانت واحدة من الشخصيات العلمية المصرية البارزة في النصف الأول من القرن العشرين، وأن طموحها العلمي سبق عصرها، وأن اسمها بقي حاضرًا كلما ذُكرت قصة المرأة العربية التي اختارت العلم طريقًا، وآمنت بأن الذرة يمكن أن تكون في خدمة الإنسان والسلام، لا الحرب والدمار.
كاتب رأي
