السياحة والفعاليات

الشمال التركي كما عاينته

الشمال التركي كما عاينته

تصدّر منصات التواصل الاجتماعي صوراً نمطية متكررة لشمال تركيا: ضباب يلامس القمم الخضراء، أكواخ خشبية تطل على بحيرات تنساب بسكينة، وشاي تركي يتصاعد دخانه في أجواء عليلة.
هذه الصورة حقيقية ولا شك، ولكنها لا تقص سوى نصف القصة، فعندما تقرر خوض التجربة بنفسك وبناءً على تجربة شخصية بحتة خضت غمارها، كمسافر قادم من ثقافة تعتاد على مستوى عالٍ من التنظيم والخدمات السياحية المترفة، ستكتشف أن للجنة تفاصيل أخرى أكثر تعقيداً تبدأ منذ لحظة الهبوط الأولى في مطار (طرابزون) صغير الحجم الذي يعاني من ازدحام خانق وطوابير انتظار ممتدة ترهق المسافرين، لتتكرر المعاناة بصورة أقسى عند المغادرة وسط تكدس الرحلات والزحام الشديد الذي يستهلك طاقة من أنهته تفاصيل الرحلة أصلاً.
حين تحطّ رحالك متجاوزاً عقبة الوصول وتتوجه إلى أوزنجول أو آيدر، يغمرك شعور جارف بالانبهار أمام قدرة الخالق عز وجل؛ جبال شاهقة، شلالات تنساب بعنفوان، وهواء نقي تملأ به صدرك. الطبيعة هنا لا تحتاج إلى مجهود لتُبهرك، فهي تنطق بجمالها في كل زاوية، وتمنحك الغابات الممتدة والمراعي المرتفعة شعوراً بالتحرر الكامل من صخب الحياة المدنية وضغوط العمل، إلى جانب ملاءمة المنطقة بطابعها الريفي للعائلات التي تبحث عن الاسترخاء والخصوصية.
ولكن ما إن تبدأ في خوض تفاصيل الرحلة اليومية من استئجار سيارة، والتنقل بين المرتفعات، والتعامل مع الخدمات المحلية حتى تبدأ السلبيات في فرض حضورها لتوازن كفة الميزان. فالمناطق السياحية تشهد تضخماً مبالغاً فيه في أسعار الخدمات والمطاعم ووسائل النقل، فضلاً عن أن الطرق المؤدية إلى المرتفعات غالباً ما تكون ضيقة ووعرة وتفتقر إلى المرافق العامة النظيفة والمواصفات المقبولة.
أما على صعيد التعامل البشري، فقد شهدت الفترة الأخيرة تحولاً ملحوظاً؛ إذ بدأ الأتراك نوعاً ما يتقبلون السياح العرب وخاصة الخليجيين دون أي مضايقات مباشرة، متجاوزين تلك الحساسيات السابقة. ومع ذلك، فإن هذا القبول لا يخفي حقيقة أنهم ما زالوا يفتقرون إلى ثقافة الترحيب الحقيقي بالضيوف وحفاوة الاستقبال التي نعتاد عليها في ثقافتنا العربية، لتظل المعاملة في الغالب جافة وتجارية بحتة تفتقر إلى الروح والبشاشة.
الشمال التركي ليس جنّة مطلقة، وليس جحيماً كما يصوره المتذمرون؛ إنه تجربة متناقضة تماماً. هو مكان يمنحك إطلالة تبهر العقل، وفي الوقت ذاته يختبر صبرك في تفاصيل التعامل والخدمات.
إذا كنت أخي القارئ مقبلاً على السفر إلى هناك، فاجعل سقف توقعاتك واقعياً: استمتع بالطبيعة الخلابة إلى أقصى حد، وتجاوز عن الهفوات الإدارية والمادية وزحمة المطارات وخاصة عند العودة، وخذ معك قدراً وافياً من المرونة لتضمن العودة بحصيلة من الذكريات التي تعوض كل عناء.

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

 

الدكتور دخيل الله عيضه الحارثي

أديب وشاعر سعودي ومشرف ومحرر زاوية (ومضة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.