كُتاب الرأي

عقلٌ مُحكَم

عقلٌ مُحكَم

منـيرا الـعتـيبي

«الوعي ليس كمية ما تحمله في رأسك، بل الهندسة التي تمنع عقلك من الانهيار تحت ثقل المشهد.»

يعيش الإنسان المعاصر في عالم شديد السيولة؛ كل شيء فيه يطالب بانتباهه، وكل موجة تحاول إعادة تشكيل قناعاته. لم يعد التحدي الحقيقي في قدرتك على الفهم واستيعاب المعطيات، بل في قدرتك على التمييز والفرز والثبات الفكري وسط طوفان لا يتوقف من المشتتات والآراء المتقاطعة.

إن العقل الذي لا يملك معماره الخاص، يتحول بمرور الوقت إلى «ممر مشاة»؛ تعبره أفكار الآخرين، وتستقر فيه هوامش ضجيجهم، فيصبح مشتتاً، مرهقاً، وعاجزاً عن اتخاذ قرار ينتمي إليه حقاً.

الوعي في جوهره ليس ثقافة تراكمية ولا جمعاً للأجوبة، بل هو «حالة إحكام».

أن يكون لعقلك بيت، يعني ألا تكون كل فكرة عابرة قادرة على إعادة ترتيب أثاثه، ولا كل صوت مرتفع قادرًا على تغيير اتجاهه. أن تعرف ما الذي يستحق أن تمنحه انتباهك، وما الذي لا يستحق حتى أن تمنحه ردًا. أن تملك من الداخل ما يكفي كي لا تحتاج في كل مرة إلى استعارة يقينك من الخارج أو الانتظار الشاق للقبول الاجتماعي.

وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للبناء الداخلي؛ فالإنسان الذي يُحكم عقله لا يحصل على الأمان الفكري فحسب، بل يخف عنه استنزافان مهلكان يستهلكان معظم أعمار البشر: حيرة التردد عند كل قرار، وعناء التبرير أمام كل معترض. حين يكتمل بيتك الداخلي، تتحول المعرفة من ثقل تحمله وتُحاسب عليه إلى مساحة تتحرك فيها بحرية؛ فلا يربكك اختلاف الطرق، ولا يغريك زبد الموج المتغير.

غير أن هذا البناء لا ينشأ بالصدفة، بل يتطلب ممارسة واعية ترتكز على فصلٍ حاسم:

الفصل بين ما يقع تحت سلطتك الذهنية وما يقع خارجها: فمعظم الإنهاك العصبي لا يأتي من صعوبة المشكلات، بل من محاولة الاستجابة لأشياء لا نملك تغييرها.

الفصل بين الانطباع والحقيقة: العقل المحكم لا يبني موقفه على انفعال لحظي، بل يعيد كل تدفق إلى مركز قيم ليختبر متانته قبل أن يمنحه حق الإقامة في داخله.

إن المشكلة المعاصرة ليست في أن تدخل إلى عقلك أفكار كثيرة؛ المشكلة حين تدخل بلا معيار، وتبقى بلا مراجعة، وتوجّه حياتك دون أن تشعر بها.

المعيار العملي ليس أن تعرف كل ما يجب أن تفكر فيه، بل أن تعرف كيف تفكر حين تتزاحم عليك الأشياء. أن تتوقف قبل أن تمنح أي فكرة أو موقف مساحة في داخلك لتسأل بتجرد: ماذا ستبني فيّ؟ وماذا ستهدم؟

ابنِ عقلك كما تبني بيتك؛ لا ليعزلك عن العالم أو يجعلك متصلباً، بل ليمنحك موضعاً ثابتاً تعود إليه كلما تغيّر العالم ومادت من حولك الأرض.

فليس النضج أن تعيش بعيداً عن الضجيج، بل أن تسمعه دون أن يسكنك؛ وأن ترى اختلاف الناس دون أن تفقد ملامحك بينهم. وحين يصبح لك هذا البيت، لن تحتاج إلى إغلاق أبوابه في وجه العالم، لأنك لم تعد تخشى أن يغيّرك كل ما يمر بك.

في النهاية، لا يُقاس الوعي بما امتلأ به عقلك، بل بما استطاع عقلك أن يبقيه متزناً وسط كل ما يحاول اقتحامه. فالعقل الناضج لا يبحث عن عالمٍ هادئ؛ بل يبني في داخله مكانًا لا تهدمه الفوضى.

كاتبة سعودية

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.