كُتاب الرأي

*حلقة من وطن*

*حلقة من وطن*

منيرا الـعتـيبي

في الوطن، لا تبدأ الحكاية بنا، ولا تنتهي عندنا.

علاقتنا بالوطن ليست علاقة امتلاك؛ فلا نقول فقط: «هذا وطننا»،
بل يجب أن نقول: هذه حلقة من وطنٍ بدأ قبلنا، وسيمتد بعدنا.

نحن عابرون في زمنه، لكننا لسنا بلا أثر.

وقبل أن نلتفت إلى ما سيأتي، يليق بنا أن نتذكر من سبقونا؛ أولئك الذين عاشوا بدايات الطريق، وحفظوا للأرض اسمها وملامحها، ومضوا تاركين لنا وطنًا نعرفه اليوم بصورة مختلفة عمّا عرفوه.

الوفاء لهم ليس أن نبقى عند زمنهم، بل أن نعرف قيمة الطريق الذي قطعوه، وأن ننظر إلى ما وصل إلينا بعينٍ ترى خلف كل منجز حكاية جيلٍ سبق.

فكل جيل يستلم وطنه كما يستلم أمانةً صنعتها أجيال قبله، ثم يضيف إليها ما يستطيع: فكرٌ يبني، ومبادرة تُلهم، وعملٌ يُتقن، وقيمةٌ تُورث.

ولهذا ينتقل الوطن
من الثَّرَى إلى الثُّرَيَّا
من الأرض التي حملتنا، إلى المعنى الذي نحمله نحن.

فالثرى هو البداية: ترابٌ شهد خطوات من سبقونا، واحتفظ بآثارهم، وصار أرضًا ننتمي إليها.

أما الثريا، فهي ما يتجاوز المكان: الطموح، والوعي، والإنجاز، والصورة التي نتركها لوطننا في المستقبل.

وبين الثرى والثريا، تقع مسؤوليتنا.

أن نعيش في وطننا لا كمن يستهلك ما وجده، بل كمن يهيئ الطريق لمن سيأتي بعده.

وفي وطنٍ يتقدم اليوم بثقة نحو المستقبل، تصبح الوطنية أوسع من الاحتفاء بالماضي؛ أن نكون جزءًا من هذا التحول، وأن نحمل اسم المملكة بما يليق بمكانتها، ونمنح حاضرها ما يليق بطموحها.

قد تكون الإضافة كبيرة: مشروعًا، أو علمًا، أو اكتشافًا.

وقد تكون في ظاهرها أصغر من ذلك؛ كلمة ترفع وعيًا، أو خطوة تمهد طريقًا، أو أثرًا يصنع فرقًا في حياة أحد.

وهكذا يصبح الانتماء أكثر من شعور؛ يصبح طريقةً نعيش بها علاقتنا بالمكان والناس والزمن.

في اليوم الوطني السعودي الـ96، لا نحتفي بوطنٍ وصل إلى نهايته، بل بوطنٍ تتواصل حلقاته.

حلقة بدأت من ثرى هذه الأرض، وتمضي نحو ثرياها.

نحن حلقة من وطنٍ بدأ قبلنا؛ وما نفعله اليوم، هو الجزء الذي سيقرأه من يأتي بعدنا.

فلنترك للوطن منّا ما يليق بما تركه لنا من سبقونا؛
أثرًا يثبت أننا كنا هنا، وأننا حين حملنا وطننا، حملناه كما ينبغي.

كاتبة سعودية

 

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.